الرئيسية / أخبار الرئيسية / حوار مع الشاعر والروائي والمترجم محمد علي اليوسفي لـ«الشعب»:

حوار مع الشاعر والروائي والمترجم محمد علي اليوسفي لـ«الشعب»:

قد يكون الكاتب ألعوبة الزمان والمكان مثل طفل في أرجوحة

* حاورته أمل بوناب

سافر من تونس إلي دمشق ومنها إلى لبنان ثم قبرص ليعود بعد ذلك إلى وطنه تونس ليكمل مسيرته الإبداعية، انه مسافر زاده الإبداع، في كل رحلة يولد داخله مبدع جديد فقد كان محمد علي اليوسفي الشاعر والروائي والمترجم في آن واحد. قدم عديد الأعمال أثرت المكتبة التونسية والعربية مثل كتابه الشعريّ «حافة الأرض»، «امرأة سادسة للحواس»، «ليل الأجداد»، «ليل الأحفاد»، وفي الرواية نذكر: «توقيت البِنْكَا» حازت على جائزة الناقد للرواية و«شمس القراميد» الحائزة على جائزة كومار: الريشة الذهبية و«دانتيلا» و«عتبات الجنة» أما في الترجمة فأشهر أعماله: «خريف البطريرك» غابرييل غارسيا ماركيز، «البابا الأخضر» ميغيل أنخل أستورياس، «ناراياما» شيتشيرو فوكازاوا، «مملكة هذا العالم» أليخو كاربنتييه، «البيت الكبير» ألفارو سيبيدا ساموديو… وفيما يلي حوارنا مع المبدع محمد علي اليوسفي:

* لكل مبدع طفولة مليئة بمشاعر وأحاسيس ولحظات خاصة دفعت به للقاء كراسه وقلمه، فمتى كانت تلك اللحظة؟ وكيف كانت بالنسبة إلى محمد علي اليوسفي؟

– كلنا نبدأ من خرافات الجدات أو من يقوم مقامهن من الأمهات والخالات والعمات وحتى الجارات. وفي الأثناء يكون المكان قد بدأ يفعل فعله في الإتيان بالخرافة إلى الواقع اليومي. ومع تقدمنا الصغير في العمر نكتشف المكتوب والمقروء. وكما قلدنا الطبيعة نسعى إلى تقليد الكتاب أو بعض صفحاته ومقاطعه التي تعجبنا. سوف يكون الشعر أولا، وهو يتخلل السيرة الشعبية وألف ليلة وليلة مثلا. ما حدث معي بدأ بقراءة القصص ثم السير الشعبية. بدأت أحب الكتابة لما وجدتني متفوقا في مادة الإنشاء التي شجعني المعلم ثم الأستاذ عليها. كم كنت أحب هؤلاء الذين يكتشفوننا ويشجعوننا، مقابل وجوه أخرى نمرّ بها وننساها أو نكاد. لأنها كادت تشكل حجر عثرة أمام براءتنا عن إهمال أو عن سوء تقدير.

* كيف توفق بين الجمالية والأمانة في ترجمة النصوص الأدبية؟ وكيف ترى الترجمة وفق النظرة الحديثة لحقوق المؤلف؟

*الجمالية في الترجمة تتعلق باللغة أساسا. بشعريتها مثلا. كنت أفضل الترجمة الحرفية عندما أجدها متلائمة مع ما قطعه شعرنا الحديث من تجديد في الصورة وهذا ما ذكرته في تقديمي لترجمة «خريف البطريرك» لماركيز لأنها رواية عالية اللغة وتتدفق بصورها مثل قصيدة ملحمية حديثة.
تبقى الأمانة نسبية ويمكن تحقيقها بنسبة عالية إلا في حالات نادرة تتعلق بروح اللغة المنقول منها خصوصا في جوانبها البلاغية مثل الجناس والتلاعب بالكلمات وما إلى ذلك. وهذا يتطلب اجتهاداً أكثر وربما يتطلب أيضا اللجوء إلى إضافة هوامش توضيحية.
أما بالنسبة لحقوق المؤلف فلم تكن معتمدة في العقود الماضية. وكان الناشرون يقفزون عليها بلا أي شعور بالذنب. ولا يردون على بعض وكلاء المؤلفين الذين يتصلون بهم مطالبين بحقوق موكليهم حتى تطورت مسألة التوقيع على الحقوق من قبل دور النشر في السنوات الأخيرة.

هل ساهمت الترجمة حسب رأيكم في تأسيس الرواية التونسية؟

– لم تكن الترجمة بشكل عام كثيفة عندنا. لكن ذلك لم يمنع تعاطي كتاّبنا مع الكتب المترجمة التي تصلهم من الشرق. وإن كان عدد

مهم منهم يقرأ الرواية الغربية في نصها الفرنسي كلغة أصلية أو ناقلة لغيرها من الروايات العالمية. ولا أدري بالضبط، وعلى سبيل المثال، ماذا كان يقرأ البشير خريف آنذاك من روايات مترجمة.
رأيت تأثير ترجمات أدب أمريكا اللاتينية واضحاً جلياً في كتابات روائية -وشعرية- عربية في سورية ولبنان والعراق وكذلك في المغرب، في مرحلة ظهور تلك الترجمات. شخصية الدكتاتور في المجال الأول، كان هناك من قلدها من العراقيين بطريقة ماركيز في خريف البطريرك، بينما اكتفى محمود درويش بكتابة قصائد الدكتاتور الموزونة التي لم يكن راضيا عنها لاحقا.. أشعار أوكتافيو باث تجاوزت التأثير إلى التناص وحتى «التلاص» إذا صح التعبير. بالنسبة إلى تونس لم أكن مواكبا لتلك التأثيرات لبعدي عن البلاد.

 

* كيف كانت تجربة تعاونك مع الراحل محمود درويش في مجلة «الكرمل»؟ ما تعنيه هذه التجربة بالنسبة إليك؟

– فعلا تعرفت على محمود درويش في بيروت مع بداية ظهور مجلة «الكرمل» عندما طلب رؤيتي بعد إعجابه بالقصيدة-الديوان «حجر الشمس» للشاعر المكسيكي أوكتافيو باث. وكنت قد أرسلتها إليه عبر صديق مشترك. تطورت تلك العلاقة لاحقا في قبرص خلال زياراته القليلة. كان يشرف على المجلة عن بعد ويتلقى بعض موادها أثناء إقامته في باريس. لكن المشرف المباشر على المجلة وقتها كان الشاعر والروائي الكردي السوري المتميز سليم بركات. كانت تجربة جميلة وغنية، إلى جانب مجلة فلسطين الثورة الأسبوعية التي لعبت أيضا دورا ثقافيا متميزا في البلدان العربية التي كانت تصلها.

ما مدى ارتباط التفرغ للأدب بين الحاجة المادية وتحقيق الأحلام بالنسبة إلى محمد علي اليوسفي؟
– لا أشكو كثيرا من الجانب المادي الذي حققته من خلال الترجمة والكتابة الصحافية. وكان فيهما مكسب عظيم آخر هو أنهما وفّرَا عليّ العمل موظفا حكوميا، فلم تتحكم فيّ سلطة أو وظيفة رغم بعض المنغّصات الفلسطينية التي ظلت طارئة. يمكنني القول إنني كنت متفرغا بهذا الشكل أو ذاك. أما التقصير فيعود إلى كسل موسمي مثلا، وإلى رغبة في الحياة كثيرا ما تفوقت على الرغبة في الكتابة والنشر.

* ألا يبدو لك أن المثقف العربي قد تخلى عن دوره إزاء ما يحدث اليوم من أزمات وصراعات وحروب في مجتمعاتنا؟ هل أصبح يسعى فقط وراء المادة والمكاسب الشخصية؟

– هذه مشكلة كبيرة جدا وعويصة جدا. أتمنى أن أطلق عليها مدافعي بدءاً بي شخصيا، نعم! لكن هذه المقابلة مقابلة وأكتفي فيها بملاحظات سريعة.
المثقف العربي مضطهد.
المثقف العربي جائع.
المثقف العربي مرتزق.
المثقف العربي لا وجود له بالمعنى النضالي. بل هو تابع للسلطة السياسية حتى وإن كانت ثورية. يسكت ليأكل رغيفاً أو ليتمتع بامتيازات أخرى له ولأولاده. وحتى إذا هاجم سلطة تجده مرتزقا عند سلطة أخرى. أما مَنْ هو عكس ذلك فهو نادر وينبغي البحث عنه في عزلته.

 

* أين تجد ذاتك الشعرية؟ هل في القصائد التي تكتبها؟ أم في تلك التي تترجمها؟

– في القصائد التي أرغب في كتابتها وفي القليل من القصائد التي أكتبها أولا، ثم في القصائد التي أترجمها ثانيا، عندما أكون قد اخترتها لأنها تلبي حاجة في نفسي.

* هل أزمة النقد العربي اليوم سببها العزوف عن ممارسة النقد وتلمسه في مختلف مجالاته؟ أم السبب متعلق بتبعية النقد العربي للنقد الغربي؟
– كم أكره النقد الغربي في تلقيه العربي وممارسته الجامعية. كأنها وصفات جاهزة يعدّها طبيب مختص. يبدو أن النقد يموت وكذلك الصحف والمجلات. صفحة في وسائل التواصل الاجتماعي باتت تغني الكاتب أو الشاعر عن عشر صحف وعشرة نقاد. بل إن الناقد نفسه بات يحتاج إلى هذه الوسائط الحديثة.

 

* أثبت التاريخ أن كل مرحلة إنسانية تطرح إشكاليات وتحولات مصيرية وان كل مرحلة تلد مفكريها الخاصين بها، فمن في رأيكم المفكر الذي استطاع أن ينتج فكرا يضيء العتمة التي يعيشها العالم العربي اليوم؟

– اليوم؟ لم يظهر هذا اليوم بعد. نحن نعيش في غشاوة مستقبل معتم وماض زاحف. لا وجود لـ«اليوم» ليس بالمعنى الفلسفي للزمن، بل بمعنى وضوح الرؤية والرؤيا. المفكرون العرب منذورون للبكاء على مشاريعهم. وحده ابن خلدون يرافقنا اليوم ويفهمنا ونفهمه أكثر مما حصل ويحصل مع كل المفكرين العرب.

* هل يمكن أن تخلق الحروب والأزمات التي تعيشها المجتمعات العربية اليوم طريقة وأسلوبا جديدا في الإبداع؟ ألا يمكن اعتبار الفضاءات الافتراضية أسلوبا جديدا؟

– عادة يحدث ذلك. لكن بعد مرحلة من الفوضى واختلاط الحابل بالنابل والعقيم بالحامل. ما نشهده اليوم ليس أساليب بل سيول عارمة من التعبير فيها كل ما تحمله السيول من مخلفات الفيضانات.
وليست الحروب والأزمات هي التي صنعت أو تصنع الفضاءات الافتراضية بل تقدم البشرية المستخدمة لحروبها وسلامها بأساليب جديدة منها هذه الفضاءات الافتراضية التي كانت راعيا رسميا لما يسمى بالثورات العربية.

عن فريق الاعلام والنشر

الموقع الرسمي للاتحاد العام التونسي للشغل

شاهد أيضاً

النسخة الألكترونية من العدد 1555 من جريدة الشعب ليوم الخميس 12 سبتمبر 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *