الرئيسية / أخبار الرئيسية / الكاتب والصحفي والمترجم أبو بكر العيادي في حوار خاص للشعب: الكتابة بالنسبة اليّ علة وجود

الكاتب والصحفي والمترجم أبو بكر العيادي في حوار خاص للشعب: الكتابة بالنسبة اليّ علة وجود

 حاورته أمل بوناب

يعتبر أبو بكر العيادي، الروائي والصحافي والمترجم المقيم بباريس، أغزر الكتاب التونسيين إنتاجا. كتب القصة والرواية والمقالات والدراسات والترجمات والسيناريوهات الإذاعية والتلفزية وأدب الطفل. من أبرز أعماله القصصية: “دهاليز الزمن الممتد” الفائزة بجائزة مدينة تونس سنة 1986، “حكايات أخر الليل”، “الضفة الأخرى”، “لعنة الكرسي”. أما في الرواية فنذكر: “الرجل العاري” التي حازت الجائزة الثانية للكومار الذهبي سنة 2009، “لابس الليل”، “ورقات من دفتر الخوف”. كما صدرت له مؤلفات في الفكر والسياسة آخرها “رسائل باريس”. لمزيد التعرف على تجربة الأديب أبي بكر العيادي، أجرينا معه الحوار التالي:

 

 

1- بدايتك كانت ناجحة في تونس، فما الذي حملك على الهجرة؟

كان اختيارا إجباريّا، إن جاز القول. انتظرنا التغيير، بعد سنوات من حكم فردي مطلق، وجمود سياسي جعلنا مثار الهزء في الصحافة العالمية، فلم يأت بما نرجو. وسبل الحياة المعطلة حدّ الاختناق في تلك الفترة لم تنفرج بتغيير اتضح أنه لم يشمل سوى هرم السلطة، فآثرت الرحيل بحثا عن فضاء أرحم، رغم ما في التغرب عن الأوطان من ويلات، ليس أقلها العمل والسكن.

02- كيف أدركتك حرفة الأدب في ليبيا، وكيف تطورت بعد الهجرة إلى فرنسا؟

في القطر الليبي الشقيق، وجدت الوقت للقراءة بانتظام، واقتحام مجال الكتابة بإيعاز من صديق كان يؤمن بقدراتي، ثم بتشجيع من المرحوم محمد صالح الجابري بعد أن أطلعته على محاولاتي الأولى. أما في فرنسا، فقد كانت الكتابة مواصلة لمشروع بدأته هنا، في تونس، من خلال إقبالي على النشر في شتى الصحف والمجلات الأدبية، التونسية منها والعربية، وتجميع بعض ما كتبت في مجموعة أولى صدرت عام 1986.

03- ما مدى تأثير سنوات الغربة في نحت شخصية أبو بكر العيادي المبدع؟

الهجرة إلى أوروبا غير الهجرة إلى بلد عربي يشبهنا في كل شيء، حتى لكأننا لم نغادر أوطاننا. والغربة في نهاية القرن الماضي غير الغربة في هذه الأيام، بفضل تقنيات التواصل الحديثة التي ألغت المسافات. فلئن كانت السنوات الأولى مفعمة بالحنين إلى الوطن والأهل والأصحاب، فإنها في السنوات الأخيرة أقل حدة، رغم تصاعد نزعة الكراهية التي يروجها الشعبويون واليمين المتطرف. ومن الطبيعي أن تصطبغ نصوصي بتلك التحولات. ولعل أهم ما استفدت منه حرية التعبير، وسهولة الوصول إلى أمهات الكتب الموضوعة والمترجمة، وحرفية الكتاب والتزامهم، وجدّة القضايا الفكرية المطروحة. وهذا بادٍ في نصوصي الأخيرة، غير الإبداعية.

04- حين يلتفت أبو بكر العيادي إلى خطواته الأولى في الرواية، ماهي الرواية التي يتمنى لو أنه كتبها بشكل أخر؟

كل عمل إبداعي هو أشبه بطفل يولد، ولا يمكن لأبويه إنكاره لدمامة خلقته. كل عمل نشرته يمثل لحظة من تفكيري ووعيي بالواقع ورؤيتي للعالم، ومن الطبيعي أن الأعوام والتجربة الحياتية والمراس اليومي لها أبلغ الأثر في تطوير كل تلك العناصر. ثم إني نشرت أول رواية وأنا في سن الخمسين، ولو أني انتهيت منها في سن الأربعين، أي أني ملكت من النضج الفني والخبرة الحياتية ما جعل العمل متكاملا لا يشوبه نقصان، من وجهة نظري على الأقل، ولا مجال بعدئذ لتعديله أو الندم على نشره. الطريف أن آخر رواية لي “ورقات من دفتر الخوف” هي التي أحس أحيانا أني تعجلت نشرها، ولكني لن أبدّل منها حرفا واحدا.

05- يحلم الفنان التشكيلي ببلوغ ذروة التجريد، ويحلم الكاتب ببلوغ ذروة الاختزال والتكثيف. فهل حقق أبو بكر العيادي هذا الحلم في تجربته الروائية؟

ليس ذلك ما يشغلني، لأن العمل هو الذي يفرض لغته وإسهابه أو تكثيفه. نشرت أعمالا ضخمة وأخرى دونها ضخامة، دون أن أحدد لنفسي ما أريد بلوغه، فأنا لست من الذين يريدون اختزال العالم في بيت من الشعر، على غرار بطل بورخس في قصة “المرآة والقناع”، أو رؤية الكون في حبة رمل شأن الشاعر الإنقليزي وليم بليك.

06- هل تعتقد أن كتابة الرواية هي كشف للذات؟ وهل مازلت تمتحن خيالك بعد كل هذه الانتاجات التي أثريت بها المشهد الروائي التونسي والعربي؟

كل أثر فيه كشف للذات، حتى المقالة الصحافية، وإن بأشكال مختلفة، تتراوح بين الظاهر المعلَن والخفيّ المضمَر. أما عن الخيال فهو دافق لا يتوقف، لن يقرّ له قرار ما بقي فيّ عرق ينبض، وما في البال يفوق ما كتبت بكثير. والله أسأل أن يمنحني الصحة والوقت لإنجازه. فالكتابة بالنسبة إلي علة وجود.

07-ماذا تضيفه الجائزة الأدبية لصاحبها، خاصة إذا تعلق الأمر بكتاب احترفوا الكتابة لاصطياد الجوائز؟

الجوائز، أيا ما تكن، تساهم في لفت الانتباه للفائزين بها والتعريف بأدبهم، ولكنها تحولت عندنا، وفي بلاد العرب بعامة،إلى وجه من وجوه الريع، وسبيل للحصول على شهرة زائفة، بسبب ممارسات لا تليق بالجهات الراعية. حسبنا أن نذكّر بما جرى في بوكر هذا العام، حيث أسندت الجائزة إلى كاتبة لبنانية لم تشارك أصلا، ودعيت بإلحاح شديد إلى التحول لقبول الشيك. والأخطر هو اقتحام الأدعياء مجال الرواية، لا حبّا في هذا الجنس، بل طمعا في مكسب ماليّ، علاوة على خضوع بعض الكتاب المعروفين لشروط تلك الجوائز، والكتابة تقريبا حسب مواصفات معينة، تحيد بالإبداع عن جوهره، وتسيء إلى رسالته النبيلة.

08 كيف بدأت مشوارك مع الترجمة؟ كيف جذبت إلى هذا الجنس الأدبي؟ وكيف تتعامل معه؟

بدأتها بطلب من المرحوم أبي زيان السعدي، حينما كان يشرف على الملحق الأدبي لجريدة الصباح، ثم استهوتني فترجمت عددا كبيرا من القصص والمقالات والقصائد لم تنشر إلا في الصحف والمجلات. أما الروايات والدواوين فعدت إليها أيضا في الأعوام الأخيرة، عندما توافرت أسباب النشر في دارين محترمتين هما “مسكلياني” التونسية، و”مشروع كلمة” الإماراتي. لا أترجم إلا ما يروقني، وأسعى قدر الإمكان إلى احترام أسلوب كل كاتب، حتى وإن آنست في نفسي القدرة على تحرير نص يفوق الأصل بيانا وبلاغة.

09-ماهي اللغات والأنواع الأدبية التي تفرض ذاتها عليك وتناديك لترجمتها؟

ترجمت الشعر والنثر والمقالة والدراسة، ولكني أميَلُ إلى ترجمة النصوص السردية، عن الفرنسية، أو بواسطتها إذا كانت لغة المصدر من اللغات التي لا نملكها بالقدر الكافي، كالبرتغالية واليابانية والألمانيةوالبولندية. ولست استثناء، فكبار الكتاب في الغرب هم أيضا ترجموا الآداب اليابانية والاسكندنافية عن الإنكليزية. هاجسي الأساس أني أريد تشريك أكبر عدد ممكن من القراء العرب في اكتشاف كتاب حاز إعجابي.

10-انطلاقا من تجربتك، هل يجب أن يتقمص الكاتب شخصية الطفل ويفكر مثله للوصول إليه؟

بل أن يكون حكّاء ماهرا يعرف كيف يشدّ قارئه بقصص مشوّقة، عارفا بنفسية الطفل في كل سنّ، وبالزاد اللغوي الذي يناسبه، عالما بميوله؛ وأن يتجنب خاصة دروس الوعظ والإرشاد. صحيح أن هذا الأدب يواجه اليوم مزاحمة من المستحدثات التكنولوجية، كأفلام الصور المتحركة ومسلسلاتها، أو ألعاب الفيديو، التفاعلية منها بخاصة. وبدل إدانتها، علينا أن نفكر في كيفية استغلالها في ما ينفع أطفالنا على غرار الأمم المتقدمة، التي استفادت من التكنولوجيا الحديثة لتطوير صناعة كتاب الطفل وملحقاته. لأن الكتاب يظل عنصرا لا غنى عنه في إكساب الطفل مهارات لغوية وتنشئته على حب المطالعة، بوصفه قارئ الغد.

11- كيف تنظر إلى الممارسة النقدية الأدبية العربية اليوم؟ متي سنرى نقدا عربيا أصيلا مراعيا لأدبياته وتراثه؟

قيل الكثير عن النقد العربي المعاصر، الذي اختار في عمومه الاتكاء على مناهج غربية صاغها أصحابها لآدابهم، انطلاقا من واقعهم، ولا يمكن بالتالي إسقاطها على أدبنا، خصوصا أن المدارس الغربية المعروفة يعاد النظر في صواب طرحها، في عقر دارها. ثمة نقاد من الجنسين يحاولون إرساء دعائم نقد حديث، يستفيدون من المناهج الغربية وبعض النظريات العربية التراثية في تناول الظواهر الأدبية عندنا، ولكنهم قلة، وغالبا ما يقنعون بالتنظير، دون التطبيق.

12- هل يزعجك أن تلقب بالأديب المهاجر؟

لم أكن أتوقف عند هذه الصفة، إلى أن لفت الصديق الحبيب السالمي انتباهي إلى أنها لا تُطلق إلا عندنا في تونس، وأننا لم نسمع يوما أن الطيب صالح وأدونيس وإدريس الشرايبي والطاهر بن جلون وإبراهيم الكوني وعبد الحكيم قاسم نعتوا بالمهاجرين أو المغتربين، وكلهم أقاموا أو ما زالوا يقيمون في بلاد الغرب.

13- في علاقة بما يحدث اليوم من أزمات وتغييرات بالمجتمعات العربية، هل يمكن للأديب أن يوثق التاريخ؟

طبعا. ولكن دون أن ينتهج أساليب المؤرخ في تسجيل الوقائع وتواريخها، بل باتخاذ الواقع بمختلف تجلياته مسرحا لأحداثه وصراع أبطاله. ففي روايات الجيل الذي سبقنا، نجد أصداء معركة التحرير ومقاومة المستعمر، مثلما نجد لدى آخرين تصويرا للواقع الاجتماعي والاقتصادي للفترة التي عقبتها. ولذلك قلت مرة إننا نفهم حياة الأمم من خلال روايات كتابها وأفلامهم أكثر مما نفهمها من كتب التاريخ الصارمة.

14 هل يمكن أن ينظر إلى الإعلام التونسي والعربي اليوم على أنه السلطة الرابعة ومحرك هام من أجل التغيير؟ أم انه مجرد وسيلة للمحافظة على الأوضاع السياسية والاجتماعية الراهنة؟

الإعلام العربي في عمومه يعبّر عن موقف الجهة الممولة، فإن استحسنت أمرا استحسنه، وإن ثارت عليه ثار وندد، إلى أن يأتي ما يخالف ذلك، وعادة ما يأتي، فينقلب الإعلام من النقيض إلى النقيض. حسبنا أن نطالع كيف تعالج وسائل الإعلام القطرية والسعودية الأوضاع الراهنة في المشرق العربي. ولا يختلف الإعلام عندنا، إلا في ما ندر، عن تلك التقلبات، فهو اللسان الناطق باسم وليّ نعمته، فردا كان أو حزبا أو حكومة. السلطة الرابعة الآن هي المجتمع المدني، ومواقع التواصل الاجتماعي، فهي دوما سباقة إلى إثارة هذا الموضوع أو ذاك، ولو بمجرد وضع الأصبع على مكمن الداء، دون تحليل. فلولاها ما انتبه الساسة المتهارشون على المناصب إلى الكوارث التي حاقت بالبلاد.

 

 

 

عن فريق الاعلام والنشر

الموقع الرسمي للاتحاد العام التونسي للشغل

شاهد أيضاً

دورة تدريب مراقبي الاتحاد العام التونسي للشغل لمراقبة الانتخابات الرئاسية والتشريعية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *