بيـان هام

 

يتابع المكتب التنفيذي للاتحاد العام التونسي للشّغل بقلق وتوجّس عميقين حالة العطالة والشّلل التي أُدخلت فيها البلاد بسبب أزمة الحكم السياسية التي تفاقمت منذ أشهر.

إنّ الأوضاع الاقتصادية تزداد تردّيا كلّ يوم، انطلاقا من  الترقيمات الدولية المحطّة بمكانة تونس، فتفاقم التضخّم وتواصل الدفع بالدينار إلى الانزلاق وازداد اختلال الميزان التجاري وتراجعَ الاستثمار بشكل لافت كما تعمّقت أزمة عدّة قطاعات داخل النسيج الاقتصادي التونسي وخاصّة بتوسّع دائرة التهريب والاحتكار والفساد أو نتيجة الاتفاقات الدولية والثنائية المخلّة بالاقتصاد الوطني التي قامت بها الحكومات المتعاقبة والمستمرّة إلى الْيَوْمَ في ظلّ غياب ديبلوماسية اقتصادية ناجعة إذ تجرى مفاوضات سرّية مع الاتحاد الأوربي غير متكافئة تفتقد إلى التشاركية والكفاءة ووضوح الرؤية، لن تكون نتائجها غير الإجهاز على ما تبقّى من قطاعات استراتيجية وخاصّة منها الفلاحة، تضاف إلى المفاوضات غير الندية المقامة مع صناديق المال الدولية، لمزيد رهن مقدرات البلاد في ديون لم يتمّ التدقيق فيها ولا أحد يعلم مدى ضرورتها أو جدواها أو سبل صرفها.

كما تردّت الأوضاع الاجتماعية، فتدهورت المقدرة الشرائية للتونسيات والتونسيين في ظلّ غلاء غير مسبوق وارتفاع كبير للأعباء الضريبية والاجتماعية المثقّلة على المواطنين وتردّت الخدمات الاجتماعية في الصحّة فغابت قائمات من الأدوية وتعطّلت العديد من المؤسسات التربوية بسبب غلق الانتدابات ونقص الموارد وانقطع الماء في عدد من الجهات، وساءت أحوال النقل وغيرها من الخدمات التي كان من المفروض دستوريا أن تضمنها الحكومة وأن تسعى إلى توفيرها لكافّة المواطنين بالتساوي والعدل  وبتطبيق مبدأ التمييز الإيجابي لجهات وفئات كثيرة عانت من التهميش  والإقصاء، وقد تفاقمت البطالة وغابت فرص العمل أمام مئات الآلاف من المعطّلين والمفروزين أمنيا، كما ارتفعت معها نسب الفقر والانقطاع المدرسي وتفشّت الجريمة واللجوء إلى الانتحار والهجرة السرية، أمام صمت الحكومة بل عجزها الهيكلي عن إيجاد الحلول واستنباط المبادرات الناجعة للخروج من الوضع الكارثي الذي أوصلت البلاد إليه عبر سياساتها الخاطئة وتنصّلها من الحوار الاجتماعي ومن الاتفاقيات الممضاة مع الأطراف الاجتماعية بل وسعيها إلى تجاوز القانون وضرب مبدأ المفاوضة الجماعية بخلق هياكل نقابية مفتعلة والتفاوض معها لضرب الاتحاد، علاوة عن غياب البرامج والتصوّرات لديها ونقص الكفاءة في أدائها وتمزّقها بين التجاذبات السياسية والطموحات الشخصية وانشغالها بتصفية الحسابات مكتفية بالبحث عن السبل الاتصالية لتحسين صورتها والتسويق إلى إنجازات وهمية لتوظيف مقدرات الدولة في ذلك أو إلى خيارات لا شعبية وإشاعة جوّ من عدم الثقة تسوده الإشاعة والمغالطة وصلت حدّ تزييف المعطيات والأرقام وشيطنة خصومها وتخوينهم لمجرّد توجيه النقد أو إبداء الرأي أو طرح البدائل.

ونتيجة كلّ ذلك، تعمّقت أزمة البلاد وهي منذرة بانهيار كبير خاصّة في ظلّ هيمنة الحسابات المغلوطة لدى البعض ومراهناتهم الحزبية الضيّقة واستمرار حالة التردّد والارتباك عند البعض الآخر في حين تمترس جزء آخر بموقف المتفرّج بدعوى انحصار الصراع في الائتلاف الحاكم، وهو ما يفاقم الأزمة ويوسّعها لتطال كلّ المجالات، إذ لم يعد خافيا على أحد شعور اليأس والإحباط العامّ الذي مسّ كلّ الفئات والشرائح والجهات والذي عبّر عن نفسه في العزوف الواسع عن المشاركة في الانتخابات البلدية، وفي موجات الهجرة السرّية الواسعة التي ارتفعت في الآونة الأخيرة وأدّت وتؤدّي إلى ضحايا كثيرين،وفي حالة التوتّر الدّائمة التي تشهدها العديد من المناطق والقطاعات وخاصّة في صفوف الشباب والتي لم تجد لها الحكومة إلاّ أكباش الفداء للتغطية على فشلها في معالجتها، ولم تتّعظ منها ولا فكّرت في إيجاد الحلول الشاملة لها وقد استغلّت جهات أجنبية ووسائل إعلام مأجورة الظرف لنشر الفتنة وزرع الشقاق والتأليب على الاتحاد وعلى العديد من القوى الوطنية السياسية والمدنية بلغت حدّ المساس بأمن تونس واستقرارها والترويج لإشاعات مخلّة بالأمن دون احتساب تبعاتها على الاقتصاد وعلى الموسم السياحي في حين لم تحرّك السلطات ساكنا لفتح تحقيقات في الغرض ولوضع حدّ للإشاعات والسموم التي تبثّها هذه الجهات المعلومة.

لقد عمل الاتحاد العام التونسي للشّغل منذ ما يناهز السنة والنصف، كعادته، على تغليب مصلحة البلاد ولم يتخلّف عن دعم كلّ مبادرة توافقية قادرة – على محدوديتها – على تجميع الأطراف  حول أولويات وبرامج ظرفية وإجراءات وإصلاحات مستعجلة من شأنها التخفيف من حدّة الأزمة في البلاد والتأسيس لمرحلة بناء حقيقية تسعى إلى حلّ المسالة الاجتماعية وتقديم المشروع التنموي البديل الكفيل بتحقيق التنمية المستدامة، كما صبر الشغّالون والنقابيون ما يكفي من الوقت وقدّموا، دون سواهم، ما يلزم من التضحيات والمساهمات، وتحمّل النقابيون حملات التشويه الممنهجة، ولم يثنهم ذلك عن الحرص الدّائم على المساهمة الفعّالة في إنقاذ البلاد وعلى تقديم المبادرات وعلى الإصداح برأيهم  بجرأة وصراحة. وقد تجنّب المكتب التنفيذي الانزلاق وراء التصريحات الإعلامية والمهاترات التي يسعى البعض إلى جرّه إليها لشغله وشغل الشعب عن الانكباب على حلّ الأزمة السياسية، وآثر التشاور والحوار والنقاش على الإثارة والمغالطة وتأليب الرأي العام الوطني، وتحمّل بجلد مسؤوليته في الدفع إلى الإقناع بالحجّة والبرهان حتّى ذهب البعض إلى الظنّ والتشكيك، وللأسف لم يفهم بعض الأطراف تلك الرسائل الإيجابية الداعية إلى تحمّل المسؤولية الوطنية وتقديم مصلحة البلاد والابتعاد عن المناورات وسياسة ربح الوقت. وفي نفس الوقت عادت التهديدات وأصوات التكفير والتخوين تتعالى ضدّ الخصوم لتذكّرنا بحقبة عصيبة مرّت بها تونس لم نتمكّن من تجاوزها إلاّ عبر الحوار الوطني.

وإنّ المكتب التنفيذي الوطني للاتحاد العام التونسي للشّغل قد اعتبر، مبكّرا، أنّ الأزمة قد طالت كثيرا وحذّر من استمرارها وأنذر الجميع بمآلاتها الكارثية على البلاد وهو يدعو اليوم قبل الغد إلى الإسراع باتخاذ القرار الوطني الصّائب بعيدا عن الحسابات الفئوية التي طبعت المشهد السياسي خاصّة في الفترة الأخيرة، وذلك عبر تغيير الحكومة بالأشكال الدستورية المتاحة والقرارات السياسية الجريئة واختيار رئيس حكومة جديد يَدعى إلى  تشكيل فريق عمل حكومي كفء، وهو قرار كفيل بتجاوز هذا الواقع المتردّي بغاية توفير الشروط الضرورية للنجاح التي تقوم أساسا على الكفاءة والانسجام ووضوح الرؤيا ونكران الذات والاستعداد الدّائم لخدمة الوطن والحفاظ على مكاسبه وتطويرها حسب برنامج إصلاحي تشاركي، بعيدا عن حسابات الموقع والغنيمة،ومن أجل خفض منسوب التوتّر القائم ولإشاعة قدر من الطمأنينة وإرساء علاقات التزام واحترام بين الشركاء الاجتماعيين بغاية معالجة كلّ الملفّات العالقة في انتظار رسم خيارات اقتصادية واجتماعية جديدة تنهي حالة الإقصاء والتهميش والتفقير وتحارب الفساد والإرهاب.

إنّ الحلول ممكنة لو توفّرت العزائم الصّادقة لتحقيق طموحات شعبنا في الشغل والحرية والكرامة الوطنية، ولكنّ الإصرار على إضاعة الوقت وهدر الفرص وتبديد القوى في التجاذبات والصراعات الهامشية وفي الحلول الترقيعية لن يزيد إلاّ من تعميق هذه الأزمة ومفاقمة التهديدات التي تتربّص ببلادنا سواء منها المتّصلة بالإرهاب والفوضى وعدم الاستقرار أو ما اتّصل باستشراء الفساد والتهريب والابتزاز والتهرّب الجبائي والاجتماعي.

وبناء عليه فلم يعد من صالح تونس الإبقاء على حالة الانتظار وما اتّصل بها من شلل وتعطّل لمصالح البلاد وكافّة المواطنات والمواطنين ومن تعميق للفشل في الوقت الذي تنتظر بلادنا استحقاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية قادمة.

وإنّ الواجب الوطني يستدعي الإسراع باتّخاذ القرار السياسي الجذري بتغيير الحكومة وتكليف رئيس جديد لها لإنقاذ وطننا العزيز على أن تتحمّل المؤسّسات الدستورية والأحزاب السياسية وخاصّة منها الممثلة في مجلس نوّاب الشعب مسؤوليتها التاريخية حتّى ينصرف الجميع إلى البناء والعمل.

العزّة لتونس

والمجد والخلود للشّهداء

الأمين العام

نورالدّين الطبّوبي

عن فريق الاعلام والنشر

الموقع الرسمي للاتحاد العام التونسي للشغل

شاهد أيضاً

تقرؤون في العدد 1499 من جريدة الشعب ليوم الخميس 09 جويلية 2018

3 تعليقات

  1. هذا ما كان ينتظر من أكبر منظمة في البلاد وهذا ليس بغريب على الاتحاد العام التونسي للشغل فهو عماد الوطن في الأزمان الكببرة والخطيرة وهذا دوره التاريخي ولبد من الوقوف وقفة الرجل الواحد لإنقاذ البلاد من الانهيار الوشيك..
    عاش الاتحاد العام التونسي للشغل
    المجد والخلود لشهداء الوطن
    تحيا تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *