الرئيسية / أخبار الرئيسية / تعريف موجز لجريدة الشعب لسان حال الاتحاد العام التونسي للشغل

تعريف موجز لجريدة الشعب لسان حال الاتحاد العام التونسي للشغل

تأسّس الاتحاد العام التونسي للشغل سنة 1946 وأنشأ جريدته الأولى وهي بعنوان «صوت العمل» التي صدرت من 30 أفريل 1947 إلى أواسط سنة 1948. وفي مرّة ثانية من 2 مارس 1955 إلى 6 ماي 1957 والسبب في ذلك أنّه انفجرت إثر الإستقلال خلافات بين النقابيين بعضها إمتداد للخلافات التي عصفت بالحركة الوطنية وبالحزب الدستوري وبعضها الآخر تمحور حول خيارات التنمية وعلاقة الاتحاد بالدولة الحديثة في حين يرجع بعضها الآخر إلى خلافات شخصيّة وتنازع على زعامة الحركة النقابية ومع تراجع حدّة هذه الخلافات تدريجيّا سنة 1958، بدأت تطرح فكرة تأسيس مجلة فكريّة واخبارية شاملة تهتمّ أكثر بآراء العمال وتطرّق إلى قضاياهم فتمّ إصدار مجلة «الشعب» يوم 1 ماي 1959 وكانت من الحجم 21 ـ 27 في 34 صفحة.

  لماذا سمّيت «الشعب»؟

لا توجد إثباتات يمكن أن تدلّنا عن السّبب الذي جعل الإتحاد العام التونسي للشغل يطلق إسم «الشعب» على الجريدة التي قرّر إصدارها سنة 1959 بعد ما توقّفت «صوت العمل» نهائيا عن الصّدور في 7 ماي 1957. وكنّا قد ذكرنا أعلاه أنّ كلمة «الشعب» ظهرت لأوّل مرّة كعنوان لصحيفة نقابية عندما أصدر الاتحاد النقابي للعمّال بالقطر التونسي (USTT) القريب من الحزب الشيوعي التونسي الذي يعتبر تواصلا لنقابة الـ «س ج ت» (CGT) الفرنسية صحيفته الأسبوعيّة باللّغتين العربية والفرنسيّة بعنوان «الشعب التونسي» والتي تحوّلت بعد ذلك إلى نصف أسبوعيّة قبل أن تتوقّف نهائيا عن الظهور في 6 مارس 1952 ومن غير المستبعد أن تكون قيادة هذا الاتحاد النقابي قد اختارت هذا العنوان إسوة بعنوان الجريدة المركزيّة لـ «س ج ت» الفرنسية وهو «الشعب» (Le peuple) وهي جريدة تواصل الصدور إلى يومنا هذا وبنفس العنوان. لكن أسباب عديدة تجعل أنّه من المستبعد جدّ أن تكون «الشعب» التونسية قياسا على «الشعب» الفرنسية أو استنساخا لها في المحتوى، «فالشعب» بمفهوم النقابة الفرنسية التي تمارس في بلد مصنّع هي الطبقة العاملة، أمّا «الشعب» بمفهوم النقابة التونسية التي تمارس في بلد متخلّف وبصدد بناء مؤسّساته المجتمعيّة فهو تلك الشّرائح الإجتماعيّة الواسعة التي توحّدت في النّضال ضدّ المستعمر وتسعى لاستمرار هذا «التحالف الطبقي» من أجل بناء دولة الإستقلال ومؤسّساتها الحديثة.

 

ولذلك فإنّه من الأرجح أن يكون إختيار هذا العنوان هو تجسيم لهذا الخيار ودلالة على المبادئ والمفاهيم التي تبنّاها الاتحاد في فترتي الإستعمار والسّنوات الأولى للإستقلال والقائمة على التعامل مع طبقة «الشعب» لا الطبقة العاملة.

 

 هل يمكن حصر الإعلام النقابي في جريدة «الشعب» فحسب؟

 

الإعلام النقابي في مفهومه الواسع يشمل مبدئيا كل الأخبار والمعلومات المنشورة على الجرائد والمجلات أو المسموعة والمرئية والمتعلّقة بالأحداث والنشاطات النقابية.

 

ومن هذا المنطلق فإنّ الإعلام النقابي يصبح في هذه الحالة غير مقتصر على جريدة «الشعب» ليشمل بقية الصّحف التي اعتنت بالشأن النقابي ونقلت الحدث المتعلّق به إلى قرّائها.

 

ويبقى الإهتمام بالحدث النقابي من قبل الصحافة المكتوبة بالخصوص انعكاسا لثقل المنظمة النقابية وتأثيرها على الأوضاع الإجتماعية والسياسيّة بالبلاد، وقدرتها على تعبئة العاملين بالفكر والساعد حول مطالب وإصلاحات إقتصادية واجتماعية.

 

والاتحاد العام التونسي للشغل وسواء في فترات تحالفه القوي مع السلطة أو في فترات الأزمات التي واجه فيها ذات السّلطة، مثّل عموما السلطة المضادة الوحيدة في البلاد في غياب حركات سياسيّة أو إجتماعيّة أخرى ذات وزن. فالمنظمة الشغيلة بقيادتها لتحرّكات العمّال ورفعها لمطالبهم وبتبنّيها للعديد من المطالب السياسيّة كالديمقراطيّة واستقلاليّة المنظمات الوطنيّة وبتقديمها في فترات أخرى لمشاريع ومقترحات إجتماعيّة واقتصاديّة كانت محط إهتمام الإعلام الوطني وحتّى الخارجي إنطلاقا من متابعة ما ينشر في جريدتها «الشعب».

 

وفي هذه الحالة فإنّ جريدة «الشعب» تصبح الوسيلة الرئيسيّة للإعلام الذي تنشره المركزيّة النقابيّة وفي نفس الوقت الواجهة التي نستطيع من خلالها تقييم مواقف الاتحاد من جملة القضايا الوطنيّة المطروحة والمحرار الذي يمكّننا من قيس مستوى العلاقة بينه وبين بقيّة الأطراف الإجتماعيّة.

 

ومع ذلك فإنّ لهذه الحقيقة نسبيّتها وحدودها. ذلك أنّ الجريدة ظلّت عاكسة بالأساس لمواقف القيادة النقابية مخصّصة المساحات العريضة لأنشطتها وأحيانا عدّة لنشاط المسؤول الأوّل عنها… ولذلك فإنّ الإعلام الذي تنشره الجريدة كان في أغلب فترات حياتها منسجما أكثر مع نسق سياسة القيادة وتقييماتها وعلاقاتها ببقيّة الأطراف الإجتماعية والسياسيّة بالبلاد.

 

  هل ارتقت صحافة الاتحاد إلى مستوى الظاهرة الإعلامية؟

 

الصحافة النقابية بتونس ومنذ ظهور أولى عناوينها في بداية القرن العشرين عكست في شكلها ومحتواها وحتّى من خلال دورية صدورها طبيعة الظروف الإقتصادية والإجتماعية التي مرّ بها القطر التونسي عبر مختلف مراحل تطوّره.

 

ففي بداية القرن وعندما سعى بعض المثقّفين سواء كانوا من التونسيين أو الأجانب إلى بعث منظمات نقابية لنشر الوعي النقابي في أوساط العمّال كانت الصحافة النقابية تعبيرا عن الطابع النخبوي للعمل النقابي في بداياته. ففي مجتمع يتجاوز عدد الأمّيين فيه 90 وبالأخصّ في الأوساط الشعبيّة لم تكن هذه الصحافة موجّهة للعمّال بقدر ما كانت إمّا تعبيرا عن موقف هذه النّخب المثقّفة المتبنّية للفكر العمّالي أو عاكسة لمطالب فئة الموظّفين وهي الفئة التي كانت قادرة على الكتابة والقراءة عكس غالبية العاملين بالسّاعد.

 

ولذلك فإنّ اعتماد عدد كبير من هذه الصحف على اللّغة الفرنسية وتذبذب دورية صدورها وقصر المدّة الزمنية التي انتشرت خلالها إنّما هو انعكاس لتذبذب موقف ومصالح القائمين على هذه الصحف، فالمجتمع التونسي كان يرزح تحت نير الإستعمار ويعاني البطالة والفقر والجهل، كما أنّ طبقته العاملة كانت في تلك المرحلة في فترة التكوّن والظهور ووعيها الوطني والطبقي لم يبلغ بعد مرحلة التراكم التي تفضي إلى بعث التنظيمات النقابية المستقلّة والتعبير من خلال صحافة نقابية عن مواقف وبرامج واضحة بوضوح أهداف هذه الطبقة وطموحاتها.

 

   بداية الظاهرة: تجربة صوت العمل:

 

وكان لابدّ من مرور حوالي ربع قرن لإتاحة عملية تراكم التجربة لإفراز وعي جديد تمثّل في بعث الاتحاد العام التونسي للشغل في الشهر الأوْل من سنة 1946 وظهور صحيفة «صوت العمل» في ماي 1947 باعتبارها أوّل صحيفة نقابية تبلّغ صوت العامل التونسي وتعبّر عن مشاغله وآرائه.

 

وبالطّبع مثّلت «صوت العمل» ظاهرة إعلاميّة جديدة تأثّرت بالظروف السياسية والإجتماعية والإقتصاديّة للبلاد ونتائجها وأضافت للصحافة والحركية الإعلامية الوطنية في تلك الفترة البعد الإجتماعي للنّضال الوطني ضدّ الإستعمار.

 

وقد تعرّضنا في بداية البحث إلى تحليل العدد الأوّل والثاني من «صوت العمل» بما يبيّن الإنخراط الكلّي للحركة النقابية في النّضال الوطني من خلال صهر مصالح الطبقة العاملة ومطالبها الإجتماعية ضمن المطالبة بالإستقلال الوطني وتصفية الإستعمار وتحقيق العدالة الإجتماعية.

 

  تجربة المجلّة: 1959 ـ 1963:

 

ظهر العدد الأوّل من «الشعب» كما أسلفنا في شكل مجلة شهرية جامعة (حجم 21 ـ 27 صم) وذلك يوم غرّة ماي 1959 في ظرف دخلت فيه العلاقة بين المنظمة الشغيلة التونسية والسّلطة مرحلة جديدة تتّسم بالتحالف، وهو تحالف يأتي بعد فترة من التوتّر والسّعي إلى تقسيم وحدة الاتحاد، وهذا التحالف تمّ على قاعدة وفاق وطني حول مشروع تنموي استمدّ من نفس التقرير الذي صاغه الاتحاد العام التونسي للشغل في مؤتمره سنة 1955.

 

وتضمّن المشروع إنجاز عدد من الإصلاحات الإقتصادية والإجتماعية حظيت بتأييد المنظمة النقابية فجاءت مواقف المجلة الناطقة باسمها عاكسة لما مرّت به البلاد في تلك الفترة من ظروف سياسيّة واجتماعية ومنخرطة في البرنامج التنموي الذي شرع في تنفيذه ضمن مخطّطات خماسية. ومثلما تبيّن سابقا من خلال القراءة في العددين الأوّل والثاني من «الشعب» وتصفّح بعض الأعداد الأخرى في نفس الفترة إلتزام المجلة النقابية بالدّفاع عن هذا البرنامج بما في ذلك تجربة التعاضد وكسب معركة الإنتاج والإنتاجية، ويتّضح منذ الأعداد الأولى «للشعب» في تلك الفترة التحوّل الطارئ على مواقف الاتحاد من نقابة تطرح البديل الإقتصادي والإجتماعي وتلعب دور سلطة مضادّة إلى نقابة تدعم سياسة الدّولة وتطوّع أداتها الإعلامية لترسيخ هذا التوجّه بتعبئة الشغالين وتحريضهم على تحقيق أهداف البرنامج التنموي للدّولة.

 

وعلى سبيل المثال جاء في العدد الثالث من مجلة «الشعب» الصّادر في جويلية 1959 في الإفتتاحيّة التي كتبها الأمين العام للاتحاد المرحوم «أحمد التليلي»: «ونحن على صفحات «الشعب» نهنّئ أنفسنا وشعبنا وفخامة الرئيس الحبيب بورقيبة بالمراحل الحاسمة التي قطعناها خصوصا في ميدان تنظيم أسس دولتنا على قاعدة الحرية والنّظام والعدالة نؤكّد تمسّكنا بهذه الأهداف التي تتّفق وغايات حركتنا النقابية القوميّة».

 

كما يتأكّد تأثّر «الشعب» بالظروف السياسيّة والإجتماعية السّائدة والمتميّزة بدعم قويّ من الفئات الشعبيّة للسياسات الإصلاحيّة للدّولة في تلك الفترة والتي نهلت في معظمها من البرنامج الإقتصادي والإجتماعي لاتحاد العمّال والمصادق عليه في مؤتمر سنة 1955.

 

ويترسّخ هذا التوجّه من خلال محتويات بقيّة الأعداد التي أصدرتها «الشعب» والتي تضمّنت أركانا قارّة للتعريف بالخيارات الإقتصادية والإجتماعية وشرح أهدافها والدّعاية لها. وقد تضمّن نفس العدد المشار إليه أعلاه على سبيل المثال مقالا بقلم مصطفى الفيلالي في ركن «الإقتصاد والتعاضد» شرحا لمفهوم الزيادة في الإنتاج وتحسين الإنتاجيّة. ومقال آخر لعبد العزيز الجربي في ركن «نحو التقدّم الإجتماعي» تحت عنوان التعاضد يشرح فيه فوائد النهج التعاضدي للإقتصاد.

 

 1977 ـ 1978: عودة الظاهرة:

 

في الذكرى الثلاثين لتأسيس الاتحاد العام التونسي للشغل وبالتحديد يوم الجمعة 23 جانفي 1976 تحوّلت «الشعب» من مجلّة شهريّة إلى جريدة أسبوعيّة بعد أن تحوّلت إلى نصف شهريّة في 5 ديسمبر 1963، وكان هذا الخيار منعرجا جديدا في تاريخ هذه الصحيفة النقابية.

 

ولا نعتقد أنّ هذا التحوّل جاء مصادفة بل هو نتاج لتطوّرات سياسية واجتماعية في البلاد واكبتها بداية تحوّلات على مستوى مواقف الاتحاد ودوره في المجتمع.

 

إنّ أواسط السّبعينات تبقى حلقة مفصلية في حركة نموّ المجتمع التونسي وتطوّره. فالسياسة الإقتصادية التحرّرية مع الإبقاء على دور تعديلي قوي للدولة هي السياسة التي انتهجت في تونس منذ مطلع السبعينات من القرن الماضي إثر فشل سياسة التعاضد التي ترافقت مع عودة القيادة الشرعية للاتحاد وإعادة الاعتبار تدريجيا للحوار الإجتماعي والتخلّي عن سياسة تجميد الأجور وهي معطيات ساهمت في عودة الإستقرار الإجتماعي للبلاد وتحسين توازنات الدولة المالية، وشهدت هذه الفترة بداية تطوّر قطاع خاص نشيط أحدث الاف الوظائف للعمّال الذين التحق العديد منهم بصفوف الاتحاد وقد نجمت عن هذه التحوّلات أوضاع جماعية نقابية جديدة أفضت إلى حركية جديدة بالمنظمة النقابية.

 

كما شهدت هذه الفترة أيضا ارتفاع المداخيل المتأتية من بيع المواد الأوّليّة بسبب ارتفاع أسعار النفط والفسفاط إضافة إلى تطوّر الإنتاج الفلاحي بعد إعادة توزيع أراضي التعاضد وتوالي المواسم الممطرة بما سمح بتوفير آلاف مواطن الشغل، غير أنّ هذه الأوضاع الإقتصادية الإيجابيّة لم يواكبها تطوّر مثيل في الحياة السياسيّة، فالحزب الواحد ظلّ مهيمنا ومحتكرا للعمل السياسي وغالبيّة الجمعيات والمنظمات تدور في فلكه دون إستقلاليّة، في حين غابت الصحافة المعارضة والحرّة حيث بقيت الدولة تراقب كلّ المؤسّسات الإعلاميّة بما فيها الصحافة المكتوبة، وقد تدخّلت أجهزة الأمن وتحرّكت الآلة الإعلامية الرّسميّة ضدّ كلّ من حاول التمرّد على هذا الوضع أو الخروج عنه، وهو ما حدث مثلا مع الاتحاد العام لطلبة تونس في سنة 1971 وما تلاها من إيقافات وملاحقات ضدّ مناضليه الذين رفضوا تنصيب قيادة موالية للسلطة في مؤتمر قربة سنة 1971، كما شهدت هذه الفترة كذلك عدّة محاكمات لنشطاء سياسيّين معارضين من اتّجاهات مختلفة.

 

وفي ظل ضيق المساحة الديمقراطيّة في البلاد اتّجهت بعض النخب إلى العمل النقابي بالاتحاد العام التونسي للشغل لما يوفّره هذا الفضاء من إمكانيات التعبير والممارسة الحرّة التي لا تتوفّر في غيره من الفضاءات في تلك الفترة، وقد أعطى تواجدها في عدد من النقابات كالتعليم بكل مراحله والبنوك والبريد والصحّة وغيرها حركية جديدة للنشاط النقابي سواء من حيث الممارسة (إضرابات التعليم العالي سنة 1972 والثانوي سنة 1975) أو من حيث الخطاب النقابي والسياسي.

 

هذه التحوّلات التي بدأت تخترق المجتمع التونسي بعد انتهاء تجربة التعاضد التي عرفها في الستينات والتطوّرات التي شهدها الاتحاد العام التونسي للشغل منذ عودة القيادة النقابية بزعامة الوجه النقابي والوطني التاريخي «الحبب عاشور» الذي تمّ إبعاده وسجنه في أواسط الستينات، وكذلك الحركية النقابية الجديدة التي ساهمت فيها بقسط وافر عديد النخب الملتحقة حديثا بالنضال النقابي، كلّ هذه العوامل والمستجدّات لم تمرّ دون أن تنعكس على أعمدة جريدة «الشعب» فتحوّلها شيئا فشيئا إلى ظاهرة إعلامية متميّزة كان لها أكبر الأثر بعد ذلك في التشجيع على ظهور الصحافة الحرّة في البلاد.

 

وقد انطلقت «الشعب الظاهرة» بداية من عدد الجمعة 23 جانفي 1976 الذي تحوّلت فيه إلى صحيفة أسبوعيّة بعد أن كانت نصف شهرية: «في محاولة بأن تضطلع بنجاعة الدور الذي تتطلّبه مرحلة التطوّر التي بلغها الاتحاد والعمّال والمجتمع التونسي عموما…»

 

كما شهد شكل الجريدة تطوّرا هامّا حتّى يتّسع للمحتويات الجديدة المبرمجة لها وهو ما تمّت الإشارة إليه في العدد الأوّل من «الشعب الأسبوعيّة» الصادر في 23 جانفي 1976: «والعمل التطويري للجريدة لم يقتصر على محتواها بل شمل أيضا حجمها وشكلها وطريقة طبعها، فبعد أن كان حجم جريدة «الشعب» لا يتجاوز إلاّ نادرا 16 صفحة من القياس الصغير ارتفع إلى 24 صفحة من القياس المتوسّط (Tabloid) كما أنّ الشعب أصبحت تطبع بطريقة الأوفسيت…».

 

إنطلاق هذه «الظاهرة» تأكّد بعد ذلك عندما تدرّج الوضع الإجتماعي وانطلاقا من خريف 1976 نحو التوتّر من خلال تصاعد وتيرة الحركة المطلبية لعديد القطاعات العمالية وتعدّد الحركات الإحتجاجيّة من اجتماعات نقابية وإضرابات وما رافقها من تجذير للخطاب النقابي وقد برز تأثّر «الشعب» بهذا المناخ الإجتماعي الجديد من خلال نقلها للتظاهرات النقابية والتجمّعات والإضرابات العمّالية ونشرها لعديد التحقيقات الجريئة والمقالات الخاصّة بأوضاع العمّال (رسالة العبّاسيّة، بقلم الناجي الشعري) والأعمدة النقدية السّاخرة (حربوشة، بقلم محمد قلبي).

 

هذا المنحى الجديد «للشعب» جعل منها فعلا ظاهرة إعلاميّة مميّزة ومختلفة عن بقيّة الصّحف آنذاك والتي كانت تتشابه في المحتوى إلى حدّ «الإستنساخ». هذه «الظاهرة» الجديدة كسبت بسرعة ثقة المواطنين فارتفع تدريجيّا عدد القرّاء بما شجّع القائمين عليها على الإستمرار في نفس المنهج تأكيدا…  للظاهرة. وبالطبع ساهم هذا التوجّه في كسر الحصار الإعلامي الذي كان مضروبا في ذلك الوقت على التحرّكات العمالية وعلى أخبار النّشطاء والحركات التي كانت تعمل دون اعتراف رسميّ بها من قبل السلطة.

 

وفي ظرف وجيز جدّا تحوّلت «الشعب» إلى نقطة يلتقي عندها النقابي والناقد والمعارض والغاضب كما صارت بما تنشره من محتويات عامل تعبئة وتحريض حول المواقف النقابية سواء المتعلّقة بالمطالب المادية أو تلك التي تنادي باحترام إستقلالية الاتحاد أو التي تنقد سياسة الحكومة عموما.

 

وقد زاد إقبال النّاس على اقتناء جريدة «الشعب» التي قفز عدد سحبها إلى حوالي 30 ألف نسخة أسبوعيّا في أواسط السبعينات وهو «ما جعل هذه الأسبوعيّة النقابية تتحوّل بعد سنة فقط أي في سبتمبر 1977 إلى جريدة الجمهور العريض… وقد فاق السّحب قبل يوم واحد من أحداث 26 جانفي 1978 سبعين ألف نسخة…».

 

وبالفعل تضمّن العدد الصّادر يوم 25 جانفي 1978 والذي صدر بصفة إستثنائيّة في أربع صفحات فحسب الإعلان عن شنّ الإضراب العام بكامل تراب البلاد لمدّة 24 ساعة انطلاقا من الساعة صفر من يوم الخميس 26 جانفي 1978.

 

وقد عرف يوم الإضراب العام أحداثا مأساوية حيث أعلنت حالة الطوارئ ونزل الجيش إلى الشوارع لقمع المتظاهرين وتكسير حركة الإضراب بما نجم عنه سقوط مئات المدنيين بين قتلى وجرحى.

 

كما اعتقلت القيادات النقابية وزجّ بها في السّجون، ولم تسلم جريدة «الشعب» من هذه الحملة القمعيّة حيث اعتقل رئيس تحريرها السيد حسن حمودية وبعض المحرّرين.

 

وبعد تنصيب قيادة جديدة خاضعة للسلطة على رأس الاتحاد إثر أحداث جانفي الأليمة توقفت «الشعب» عن الصدور لتسجّل عودتها يوم 31 مارس 1978 في 16 صفحة بمحتوى مخالف تماما وعاكسا للخط الجديد «للقيادة المنصّبة» ومعلنا عن انتهاء الشعب «كظاهرة».

 

 تجربة الشعب اليومية:

 

بعد فشل سياسة التنصيب النقابي وعودة القيادة الشرعية للاتحاد العام التونسي للشغل في بداية الثمانينات عادت جريدة «الشعب» بعد أن استرجعت هي الأخرى عديد المحرّرين الذين غادروها لرفضهم التعامل مع «القيادة المنصّبة» إثر أحداث جانفي 1978.

 

ولقد كانت تجربة «الشعب» خلال هذه الفترة ثريّة وهامّة، حيث سعت إلى المواكبة الدقيقة للنّشاطات العمّالية التي شهدت كثافة كبيرة في بداية الثمانينات، وقد عكست الجريدة بكثير من الوفاء ما عرفته الساحة النقابية من تحرّكات مطلبيّة واحتجاجية وحوارات ونقاشات تناولت مختلف القضايا النقابية والسياسيّة والإجتماعية والإقتصادية والثقافية.

 

وقد اتّسمت تحقيقاتها والعديد من مقالاتها بالجرأة في طرح المواضيع وبتوجّه نقدي تصاعدي إزاء سياسة الحكومة الإجتماعية والإقتصادية في ذلك الوقت.

 

ومع تصاعد حدّة التوتّرات الإجتماعية زادت حاجة الاتحاد إلى الحضور المكثّف على الواجهة الإعلامية خاصّة بعد حذف برنامجه الإذاعي «صوت الاتحاد العام التونسي للشغل» وقد أكّدت الشعب هذه الحاجة «خاصّة وأنّ الاتحاد وعموم الشغالين لا يملكون من وسائل الإعلام إلاّ هذه الجريدة التي لم تستطع أن تتّسع لجميع أوجه أنشطة الاتحاد العام التونسي للشغل داخل البلاد وخارجها»

 

أمام هذا الوضع بدأت عديد الأصوات النقابية ترتفع للمطالبة بتحويل «الشعب» إلى جريدة يومية إلى أن جاء المؤتمر الوطني السادس عشر للاتحاد العام التونسي للشغل (ديسمبر 1984) الذي نادى صراحة بذلك وطالب القيادة المنتخبة بتجسيمه، وبالفعل انطلقت عملية الإعداد الفعلي لتحويل الشعب من جريدة أسبوعية إلى يومية وهو ما من شأنه أن يمكّن «الشعب» من استعادة موقعها كظاهرة إعلامية.

 

ففي تلك الفترة كان المشهد الصحفي المكتوب للبلاد مقتصرا على خمس يوميات رسميّة أو شبه رسميّة إثنتان منها بالعربية وهي «العمل» لسان الحزب الإشتراكي الدستوري الحاكم، وجريدة الصباح وهي صحيفة شبه رسميّة، والثلاث الباقيات كانت تصدر باللغة الفرنسيّة وهي «lAction» التوأم الفرنسي لجريدة العمل وصحيفة «La Presse» الصادرة عن موسّسة حكومية وصحيفة «Le Temps» الصادرة عن دار الصباح. ولذلك تعتبر عملية تحويل «الشعب» إلى صحيفة يومية حدثا وطنيا هامّا باعتباره أوّل محاولة لإصدار يوميّة مستقلّة تماما عن الآلة الإعلامية الرسميّة وظاهرة يمكن إن استمرّت أن تشكّل سابقة قد تغيّر تماما المشهد الإعلامي الوطني خاصّة وقد جاء ظهور «الشعب اليومية» على خلفية صراع خفي ومعلن بين السلطة وقيادة الاتحاد العام التونسي للشغل بزعامة «الحبيب عاشور» الذي سبق له أن حوّل سنة 1976 وقبيل أحداث 26 جانفي 1978 «الشعب» من مجلة نصف شهرية إلى جريدة أسبوعية جامعة.

 

ويؤكّد رئيس تحرير الشعب في إجابته على الأسئلة التي طرحناها عليه بخصوص الشعب اليومية «الظاهرة» فيقول: «لقد أشرفت على تحويل الشعب إلى يوميّة تصوّرا وتنفيذا وأعددت بنفسي الدراسة الخاصة بها حيث صدرت الجريدة في دورية يومية وأثارت ضجّة لا توصف باعتبار أنّها صدرت بنفس المواصفات التي كانت عليها الصحف اليومية آنذاك… وفيما استقبلها النقابيون والديمقراطيون والإعلاميون وعموما الراغبون في إعلام جديد بالتّرحاب فإنّ أطرافا أخرى استقبلتها بالسّكاكين… الشعب هي فعلا ظاهرة إعلامية باعتبار تفرّدها في احداث نقلة نوعية في الصحافة التونسية، يحدث ذلك باستمرار عندما نجد أنّ هذه الجريدة وخلافا لجرائد كل المنظمات تتجاوز خصوصيتها أو بالأحرى بوتقتها الضيّقة لتنفتح على بقيّة المجالات والاهتمامات وقد كانت الشعب سببا في نقلة نوعية في الصحافة التونسية على الأقل في مناسبتين الأولى سنة 1977 عندما بلغت أعلى أرقام السحب وكانت وراء صدور صحف أخرى على غرار «الرأي» و «البيان» و «الأمّة» والثانية سنة 1985 عندما صدرت في دورية يومية… وتستمر الشعب ظاهرة متفردة باعتبار انفرادها بخصوصيات كثيرة لا تشاركها فيها أيّة جريدة…».

 

وفي يوم 12 جويلية 1985 صدر أوّل عدد لجريدة «الشعب» اليوميّة لتكون بذلك: «تجربة يخوضها الاتحاد لأوّل مرّة ولا يرمي من ورائها إلاّ تعزيز الصحافة الوطنية والمساهمة في خدمة العمّال والوطن…».

 

  عودة خاطفة «للظاهرة»:

 

لا نبالغ إن قلنا أنّ «الشعب اليومية» قد عادت من خلال مضمونها إلى موقع «الظاهرة» مثلما كان الأمر لتجربتها سنوات 1977 ـ 1978.

 

ففي وقت غابت فيه اليوميات المستقلّة وتعثّرت فيه الصحافة المعارضة التي لم تستطع المحافظة على دورية صدورها، برزت ظاهرة «الشعب اليومية» بمضمون يختزل عموما من خلال خطاب إجتماعي ونقدي مطالب الفئات الشعبية والحركة الديمقراطية في تلك المرحلة من مراحل نمو المجتمع التونسي.

 

هذا المنحى يؤكّده ما جاء على لسان «الحبيب عاشور» الأمين العام للاتحاد في تلك الفترة في الحديث الذي أدلى به «للشعب» اليومية في عددها الأوّل الصادر في 12 جويلية 1985 فقد أكّد عاشور في إجابته على أحد الأسئلة الموجّهة إليه على الرسالة المنوطة بعهدة هذه الصحيفة بقوله:

 

«… هدفنا الإضطلاع بمهمة الإعلام من حيث هو وسيلة نضالية ترفع مستوى الشعب وتخدم قضاياه الجوهرية فتكون «الشعب» لسان يطالب بالحرية ويتمسّك بالديمقراطية وبالعدالة الإجتماعية، وهي لسانه وهو يطالب بحقوقه المختلفة. وأيضا لسان الشعوب المكافحة والمحاربة للإستعمار والميز العنصري…».

 

هذا التوجّه «النّضالي» «للشعب اليومية» لم يكن مجرّد رغبة من المسؤول الأوّل عن الجريدة، أي الأمين العام لمنظمة العمال بل كان مثلما جاء في عدّة مواقع في هذا العدد الأوّل خيارا وتوجّها أجمعت عليه الهياكل المسيّرة للاتحاد.

 

«فالشعب اليومية» كانت إحدى الوسائل التي وظّفها الاتحاد في أواسط الثمانينات في مواجهة سياسة الحكومة قبل التغيير السياسي في نوفمبر 1987 والتي أدّت إلى تأزّم خطير للأوضاع الإقتصادية والإجتماعية والأمنية بالبلاد.

 

«إنّ المناخ العام كان متوتّرا… فمن جهة هناك آثار خيبة الانتخابات التعددية الأولى والانشقاق الحاصل في الاتحاد وأحداث الخبز في جانفي 1984 زيادة على تنامي الظاهرة الإسلامية وفوق الكل أزمة الخلافة بين أقطاب الحكم وبوادر أزمة إقتصادية حادّة».

 

ولذلك جاء الخطاب الإعلامي «للشعب» شاملا لكل الحساسيات والتيّارات في محاولة على ما يبدو من قيادة الاتحاد لجعل الجريدة عامل استقطاب تتوجّه نحوه كل القوى الطامحة في التغيير بما فيها تلك التي لا يسمح إنتماؤها الإجتماعي بالانضمام إلى النقابات.

 

وقد جاء بالعدد الأوّل في الصفحة الثانية من «الشعب» اليومية في ركن «يا وطني»:

 

«… ولأنّ الاتحاد العام التونسي للشغل منظمة ديمقراطية حاملة للواء الحرية والعدالة الإجتماعية والمساواة ولقيم التسامح والتحابب والحوار فستسعى جريدتنا أن تكون وفيّة لهذا النهج بتفتّحها على جميع الحساسيات السياسية والفكرية دون تمييز أو تحيّز وأن تجعل من الجريدة منبر حوار وتعامل حضاري تتلاقح فيه مختلف الإقتراحات وتتوالد فيه البدائل الوطنية من أجل إرساء المجتمع الديمقراطي والعادل…».

 

وفي ظرف كانت فيه تقاليد الصحافة اليومية مقتصرة على الجرائد الرسميّة أو شبه الرسميّة فإنّ «الشعب» بما طرحته على نفسها من مهام تكون قد حاولت كسر هذه التقاليد وخلق تقاليد جديدة تعكس بصدق ووفاء كبيرين التطوّر الذي يشهده المجتمع التونسي والقضايا الإجتماعية والإقتصادية والسياسية التي تعتمل فيه.

 

غير أنّ هذه «الظاهرة»، ومثلما حصل مع «الشعب» في جانفي 1978، لم تجد الوقت الكافي لتترسّخ وتنضج، حيث تمّ إيقافها عن الصدور يوم الأربعاء 17 جويلية 1985 بعد إصدار خمسة أعداد فقط وقد قامت السلطات القضائية آنذاك برفع دعوى قضائية ضدّها بتهمة نشر أخبار زائفة وثلب وذلك بعد أن صدر العدد الخامس والأخير بعنوان رئيسي بالصفحة الأولى ينتقد الزيادة في سعر الخبز والمواد الأساسيّة بالرّغم من موسم فلاحي ممتاز.

 

 غرة ماي 1989: عودة أخرى:

 

أعاد «الشرفاء» إصدار «الشعب» أسبوعيا إنطلاقا من أفريل 1986 بمضمون مغاير موال للسياسة الحكومية ومنتقد لمواقف القيادة السابقة أو ما أطلق عليها آنذاك بالقيادة الشرعية.

 

غير أنّ هذا الإصدار لم يكن منتظما، فتوقفت سنة 1986 لتعود في سبتمبر 1987 لتتوقف من جديد مع بداية سنة 1988. وبعد تطبيع الوضع النقابي إثر مؤتمر سوسة الإستثنائي للاتحاد العام التونسي في أفريل 1989 وعودة القيادة الشرعية على رأس الاتحاد تمّ إصدار عدد تجريبي «للشعب» في أربع صفحات وذلك يوم غرة ماي 1989، غير أنّ العودة المنتظمة للصدور انطلقت في 30 سبتمبر 1989 وذلك أسبوعيا وكل يوم سبت عوضا عن الجمعة لتكون متضمنة للأحداث النقابية والوطنية والدولية المستجدة طوال أيّام الأسبوع.

 

ولكن الصحيفة لم تلق نفس الإقبال الذي حظيت به «الشعب اليومية» وذلك لعدّة أسباب تتعلّق أساسا بالتطوّرات التي عرفها المشهد الإعلامي الوطني بعد التغيير السياسي الحاصل في البلاد في نوفمبر 1987 وبالظروف المستجدة على الصعيدين الإقتصادي والإجتماعي والطريقة التي تفاعلت بها المنظمة الشغيلة مع هذه الظروف وما استلزمه ذلك من خطاب إعلامي مرافق وجد النقد من قبل عديد النقابيين.

 

وفي سعيها إلى إيجاد توازنات مالية للجريدة كثّفت إدارة الجريدة من حملات الإشهار والإشتراكات الشرفية للمؤسّسات، كما أقرّ المجلس الوطني للاتحاد العام التونسي للشغل المنعقد سنة 1990 الإشتراك الإجباري في الجريدة لكل من يتحمّل المسؤولية النقابية في كلّ الهياكل النقابية وذلك في سعي لتفادي النقص في مداخيل المبيعات ولتوفير دخل سنوي قار يمكّن من إعادة إصدار الجريدة بشكل يومي.

 

غير أنّه لم يتم وضع آليات تضمن استمرارية هذه العملية حيث لم تتمكّن الجريدة من تجديد إشتراكات المسؤولين النقابيين في العام الثاني الموالي لسنة انتخابهم بالمسؤولية النقابية، لتنتهي تجربة الإشتراك الإلزامي للمسؤولين النقابيين بالفشل بما يجعل الجريدة تواصل اعتمادها على المبيعات بالسوق وعائدات الإشهار والدعم المالي للمركزية النقابية بالخصوص مع ما يعنيه هذا المعطى الأخير من محدودية الهامش الذي تتمتّع به إزاء مواقف القيادة أو على الأقل الإتّجاه الأغلبي فيها.

عن فريق الاعلام والنشر

الموقع الرسمي للاتحاد العام التونسي للشغل

شاهد أيضاً

تقرؤون في العدد 1499 من جريدة الشعب ليوم الخميس 09 جويلية 2018

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *