أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار الرئيسية / في الذكرى الأربعين لأحداث 26 جانفي 1978

في الذكرى الأربعين لأحداث 26 جانفي 1978

في الذكرى الأربعين

لأحداث 26 جانفي 1978

إنّ الشغالين التونسيين إذ يحيون الذكرى الأربعين لأحداث 26 جانفي من سنة 1978 فهم يستحضرون وقفة الشرف أمام الظلم والتصدّي الشجاع للاستغلال ولهجمة شرسة استهدفت القضاء نهائيّا على الاتحاد العام التونسي للشغل بتركيعه إلى الأبد وجعله أداة طيّعة للنظام، وفي إحيائنا لهذه الذكرى المجيدة فإنّنا في نفس الوقت نستذكر صفحة مشرقة من نضالات النقابيين وتضحيات الشهداء من مختلف فئات الشعب دفاعا عن الحق والعدل والحرية وفي مقدمتهم الأخوان سعيد قاقي وحسين الكوكي.

بعد فشل تجربة التعاضد بدأت تجربة الليبرالية تدخل في مأزق فقد اتّسم الوضع العام للبلاد آنذاك بتصاعد حالة عدم الرضا لفئات بقيت خارج مسار التنمية وتصاعد الشعور بالحرمان الذي تفشّى على أوسع نطاق والذي مسّ أيضا الطبقات المتوسطة جرّاء التهاب الأسعار وغلاء المعيشة وتدهور المقدرة الشرائية وارتفاع نسبة البطالة وتنامي ظاهرة النزوح الريفي نحو المدن الساحلية.

كما برز إثر السياسة الليبرالية التي انتهجتها حكومة الهادي نويرة، وخاصّة سنّ قانوني أفريل 72 و74، إثراء فاضح لأقليّة اجتماعية لم تتورّع عن التبجّح، وسط فقر متفشّ، ببذخ الثروة التي كدّستها بفضل مضاربات كثيرا ما تتمّ على حساب مقدّرات الدولة (قروض بفوائد زهيدة، إعفاءات جبائية، سوء تصرف في المؤسسات العمومية، الفوز باحتكارات على حساب المجموعة الوطنية: فساد، رشاوي على شراءات الدولة)، وفي الوقت الذي بدأ فيه النظام بالاهتراء والتفكّك نتيجة السياسة الاستبدادية التي احتكرت الحياة السياسية وصادرت الحريّات ودخلت في صراعات داخلية دامية من أجل خلافة الرئيس بورقيبة. كما عرفت الجامعة تحرّكات طلاّبية مكثّفة أدّت إلى الاعتقالات السياسية والتضييق على الحريات.

وبمجرّد تحرّك النقابيين في عدّة قطاعات لمواجهة ارتفاع كلفة العيش والمماطلة في تطبيق بنود الاتفاقات المهنية ومعارضة السياسات القائمة عمد النظام إلى محاولة احتواء الأزمة بدعوة الاتحاد إلى إمضاء ميثاق وطني يقضي بالالتزام بسلم اجتماعية طيلة المخطط الخامس مقابل ترفيع عام في الأجور في القطاعين العمومي والخاص.

غير أنّ هذه السلم الاجتماعية لم تصمد أمام تواصل ارتفاع نسق التوتّر الاجتماعي من جهة وتصدي الشقّ المتصلّب داخل الحكومة لأيّ زيادة في الأجور واتّهام الاتحاد “بإيواء عناصر متستّرة في صفوفه” بمناسبة نقاش قانون الميزانية صلب مجلس النواب وبذلك اختارت السلطة منذ ذلك اليوم المواجهة الفعلية مع القوّة الشعبية الأولى على الساحتين الاجتماعية والسياسية بالبلاد فسخّر الحزب ميلشيات للاعتداء على دور الاتحاد في توزر والقيروان وسيدي بوزيد وسوسة وبلغ التحريض ضدّ الاتحاد إلى حدّ التلويح باغتيال الزعيم الحبيب عاشور الأمين العام آنذاك وأصبحت وسائل الإعلام تدعو إلى عقد مؤتمر استثنائي قصد الانقلاب على القيادة النقابية الشرعية.

فردّ الاتحاد دفاعا عن وجوده وعن استقلاليته بمجموعة من النضالات والمسيرات توّجها بإضراب عام احتجاجي يوم الخميس 26 جانفي 1978 صاحبته مظاهرات صاخبة فتدخّل الجيش وسقط المئات من الشهداء والضحايا، كما فرضت حالة الطوارئ، وتمّ اعتقال القادة النقابيين وتنصيب قيادة جديدة موالية للسلطة في مؤامرة لم تكن تستهدف استقلالية الحركة النقابية فحسب بل كانت تهدف إلى تصفية الاتحاد العام التونسي للشغل تصفية نهائية وخنق كلّ صوت حرّ في البلاد.

وقابل النقابيون هذه الإجراءات بإصدار بيانات شجبوا خلالها التنصيب وتمسّكوا بقياداتهم الشرعية وانتظموا في مجموعات سريّة مهمّتها الدفاع عن الشرعية والتعريف وطنيّا ودوليّا بالانتهاك الخطير الذي تعرّض إليه العمل النقابي في تونس ونظّموا حركة تضامنية واسعة مع المعتقلين بالعرائض والتبرعات لعائلات الموقوفين في مدّ تضامني رائع، وكانت جريدة الشعب السريّة إحدى المنابر المدافعة عن الشرعية. كما شهدت الحركة النقابية أشكالا أخرى متنوّعة لمقاومة المنصّبين وتنشيط الهياكل الشرعية أدّت هي نفسها إلى محاكمات فرعية أخرى.

أيتها العاملات، أيّها العمال،

لقد سجّل هذا اليوم الخالد في تاريخ النقابيين الالتحام الرائع بينهم وبين الحركة الديمقراطية ممثّلة في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وقوى المعارضة وصحافتها الحرة فتمّ التنديد بالإيقافات والتنصيب وفضح الهجمة الشرسة التي استهدفت الاتحاد وتجنّد المحامون أمام محكمة أمن الدولة في ثكنة بوشوشة وبالمحاكم الابتدائية والدوائر الجنائية في مختلف جهات البلاد لدحض تلك التهم التي أريد إلصاقها بالنقابيين والتي تصل الأحكام في جلّها – حسب نصوص الإحالة – إلى الحكم بالإعدام والأشغال الشاقة.

كما سجّل التاريخ أيضا مساندة القوى النقابية والديمقراطية في العالم التي نادت يومئذ بإطلاق سراح المعتقلين ورفضت الكنفدرالية الدولية للنقابات الحرّة الاعتراف بالقيادة المنصّبة.

إلا أنّه بصدور أحكام تعسّفية وانتقامية في حق النقابيين رسمت الهياكل الشرعية لنفسها هدف إطلاق سراح القيادات النقابية وإرجاعها إلى سالف مسؤولياتها، وكان لها ذلك بحكم العزلة التي أصبح عليها النظام دوليّا وضعف الجبهة الداخلية للدولة في غياب اتّحاد قوي.

أيتها العاملات، أيها العمال،

إن اتّحادكم الذي خبر مختلف ظروف الصراع ذودا عن الحرية ودفاعا عن الشغالين في العيش الكريم وعن وجوده من خلال العمل على فرض الحقّ النقابي ورفض كلّ وصاية على قراره خرج منتصرا من كلّ معاركه وأهمّها معركة الاستقلالية بفضل التفاف الشغّالين حوله وتبنّي مختلف فئات الشعب لخياراته منذ تصدّره لجبهة النضال الوطني ضدّ الاستعمار، وبمناسبة رفضه قرار مؤتمر الحزب الدستوري المنعقد ببنزرت في أكتوبر 1964 القاضي بتركيز الشعب المهنيّة في المؤسسات والإشراف المباشر على المنظمات “القومية” تحت إشرافه المباشر والتي أدّت إلى حبك مؤامرة ضدّ الزعيم الحبيب عاشور والزجّ به في السجن وكذلك رفضه تركيز كلّ السلطات في يد الرئيس الحبيب بورقيبة وضرب كلّ نفس ديمقراطي من خلال الرسالة الشهيرة التي توجّه بها أمينه العام الزعيم أحمد التليلي.

ومن أجل هذه المواقف كان الاتّحاد وما يزال يتعرّض لمحن طالما خرج منها منتصرا لأنّ الجميع يعلم بأنّ منظمتكم لم تكن مع المعارضة المطلقة لأيّ نظام، وكان شرطها في التعامل دائما: الحرية وليس التبعية في إطار الحوار الاجتماعي الندّي والمسؤول والذي لا ترتهن فيه مصالح البلاد لشخص أو لجهة ما.

أيتها العاملات، أيها العمال،

لقد كان انعقاد المؤتمر الثالث والعشرين لاتّحادكم بتونس خلال الفترة 22-24 جانفي 2017 محطّة هادئة للتقييم والوقوف عند دور الاتحاد في مرحلة ما بعد الثورة وتحديد آفاق تعاطي المنظمة مع الواقع الجديد بما يضمن عزة تونس وبقاء الاتّحاد العام التونسي للشغل شامخا كما أراد له حشّاد العظيم وكل المناضلين الصادقين، وفي مقدمة هذه الآفاق ملفّات كبرى منها تحسين القدرة الشرائية للأجراء وتطبيق شروط العمل اللائق ومعالجة ملفّ الصناديق الاجتماعية ومراجعة منظومة الدعم وفتح ملفّ المؤسسات العمومية والشروع في إصلاح النظام التربوي ومنظومة الصحّة العمومية وبعث مجلس الحوار الاجتماعي بصيغة تشاركيّة حقيقية مع الاتحاد العام التونسي للشغل من أجل إرساء أسس مجتمع تتوافق فيه مختلف شرائحه على جملة من القيم والمبادئ السياسية والاجتماعية والأخلاقية يتوحّد حولها التونسيون، قيم ومبادئ ذات طابع إلزامي ومنتج لآثار قانونية ويهدف إلى ضمان مسار اجتماعي واقتصادي سليم تتوفّر في ظلّه حقوق جميع الأطراف، يقطع  مع الاستبداد والاستغلال والفساد ويتجاوز سياسة التهميش والإقصاء والرأي الواحد.

فلنرع هذا الحلم ولنعمل على تحقيقه.

أيتها العاملات، أيها العمال،

إننا إذ نحيي ذكرى 26 جانفي 1978 فإنّنا نطالب بفتح تحقيق في عمليات القتل التي سقط ضحيّتها المئات من الشهداء والكشف عن عمليّات التعذيب الممنهج التي تعرّض إليها إخواننا وإنصاف عائلاتهم وردّ الاعتبار إليهم باعتبارهم مناضلين على درب الحرية والكرامة، وكذلك إنصاف المطرودين منهم من عملهم. كما نجدّد المطالبة الملحّة باسترداد أرشيف الاتحاد سواء الذي بحوزة وزارة الداخلية أو بحوزة الأفراد ممّن استغلّوا الأزمة للسطو عليه.

  • المجـد لشهدائنـا
  • عاشت تونس حرّة منيعة
  • عاش الاتحاد العام التونسي للشغل حرّا مستقلا ديمقراطيا مناضلا.

 

 

تونس، في 26 جانفي 2018

الأمين العام

نورالدين الطبوبي

عن cherif

شاهد أيضاً

كلمة الأخ نورالدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل في الندوة الوطنية للهجرة حول “تونس والهجرة “

“تونس والهجرة: نحو مقاربة قائمة على حقوق الإنسان” طبرقة، في 13ــ 14 نوفمبر 2018 السيد ...

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *