أخبار عاجلة
الرئيسية / أخبار الرئيسية / كلمـة الأخ نـورالـدين الطبــوبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بمنـاسبـة عيـد العمّال العالمـي

كلمـة الأخ نـورالـدين الطبــوبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بمنـاسبـة عيـد العمّال العالمـي

كلمـة الأخ نـورالـدين الطبــوبي

الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل

بمنـاسبـة عيـد العمّال العالمـي

تونس، في غرة ماي 2020

 

 أخواتي وإخوتي في النضال حماة الاتحاد وبناة الوطن،

عاملات وعمّال تونس بالفكر والساعد، بنات وأبناء تونس الأحرار،

 كَكُلِّ سنة في مثل هذا اليوم نحتفل بعيد العمّال العالمي، لكن اضطرّتنا الظروف العالمية والوطنية أن يكون احتفالنا هذا العام استثنائيا نحييه معا ولكن كلّ في بيته، حتّى لا نفقد حرارة اللقاء والاجتماع وفرحة التضامن والتآزر، نُحيي اليومَ العالمي للعمّال تخليدا لذكرى عاملاتِ وعمّالِ شِيكاغو بالولايات المتّحدة الأمريكية، الذين انتفضوا في مثلِ هذا اليوم من سنة 1886، ضدّ قوى الاستغلال وغلاةِ الاستبداد، ورسَمُوا بصمودِهم وتضحياتِهم طريقَ الحريةِ والانعتاقِ، وفتحوا لِمَن جاؤوا مِن بعدِهم في الحركةِ العمّاليةِ العالميةِ الآفاقَ رحبةً لمُراكمة المكاسِبِ والحقوقِ.

 حماةَ الاتحاد بناةَ الوطن،

بناتِ وأبناءَ تونس الأحرارَ،

 يعودُ علينا عيدُ العمّال العالمي هذه السّنة، وبلادُنا كسائرِ بلدانِ العالَمِ، تعيشُ على وقْعِ جائحةٍ وبائيةٍ، كشفت هشاشة العالم الرأسمالي وتفكّكه وحطّمت جبروت أعتى الدول وأكثرَها قوّةً ونفوذا. لقد أصبح العالم بين عشيّة وضحاها، أمام وباء كورونا الزّاحفِ، في حالة شلًلٍ شبه تامٍّ، وباتت كلّ الأنشطة في حالة عطالة كاملة، وصار كلّ التقارب الاجتماعي ممنوعا، والبعد الجسدي عن الأهل والأحباب واجبا مفروضا.

يعود علينا عيد الشغل العالمي، والعالم يُحصي ضحاياه التي باتت تُعدّ بملايين المصابين وبمئات الآلاف من الوفيّات. الشكّ والريبة والخوف والقلق استبدّ بالجميع، الأغنياء كما الفقراء، الكبار كما الصغار.

انْتَفَتْ كلّ الفوارق ودُكَّتْ كلّ الحصون والجدران التي بنتها قيم الرأسمالية والعولمة في وجه الإنسان حتّى تخلّت دول عن علاقاتها التي حاولت ترتيبها منذ عقود مع دول الجوار واستفرد الوباء ببلدان كثيرة كإيطاليا واسبانيا مثلا اللتان لم تجدا العون والنجدة من دول التحالف الأوربي القريب منها.

اليوم صار كلّ كبير صغيرٌ أمام وباء كورونا وكلّ قوي ضعيفٌ. وبقدرة قادر أصبحنا جميعا متساوين وعلى نفس المسافة من هذا العدوّ المشترك. فأعاد لنا هذا العدوّ الوبائي وعينا بإنسانيّتنا بعد أن مزّقها الجشع وأَغْوَتْهَا غريزة التسلّط والاستبداد والتهافت على تحطيم الآخر وإذلاله وتركيعه بتعلّة التفوّق المالي أو العسكري أو العددي أو الجسدي.

لكن الحربَ التي نخوضها اليوم مع بقيّة شعوب العالم ليست كبقيّة الحروب بل هي استثنائيّة بامتياز. فهي تختلف من حيث طبيعة العدوّ الذي نواجهه، تختلف من حيث وسائلُها وعتادُها والجيوشُ التي تقودُها. فوسائل هذه الحرب هي: العلم والمعرفة والوعي الجماعي وعتادها المستشفيات ومخابر التحليل، والمعامل المصنّعة للأدوية والكمّامات والقُفازات وخدمات النظافة والرقابة والأمن والوقاية، وجيوشها جحافل الأطباء وأعوان التمريض والإسعاف والإنعاش وألوية التنظيف والتعقيم والأمن والجيش، وحزامها المتطوّعون من نشطاء المجتمع المدني والمواطنون ومصانع التموين والإمداد والخدمات، وهم جميعهم من عمّال الفكر والساعد،فتحيّة إكبار وإجلال لكلّ الإطار الطبي وشبه الطبّي وعمّال التنظيف وأعوان البريد والاتصالات والكهرباء والمياه والغابات وتربية الماشية والفلاحة والنقل ومصانع المواد الحياتية من أدوية ومواد غذائية وتحيّة للأمن والجيش وللإعلاميين الشرفاء ولكل شباب المجتمع المدني المتطوّع، تحيّة لهم على سخاء عطائهم وعلى روح التضحية التي لديهم وعلى نضج وعيهم بالمسؤولية رغم شحّ الإمكانيات وخطورة المضاعفات.

التقدير والإجلال والاحترام أيضا لما أبداه ويبديه شعبنا، رغم بعض التراخي، من انضباط والتزام ومن تضامن وتفهّم فيما بين أفراده لإنجاح قرار الحجر الصحيّ العام الذي مكّن الصفّ الأوّل من الارتقاء بأدائه لاحتواء جائحة كورونا وإبقائها، إلى حدّ الآن على الأقلّ، في مستويات معقولة ومقبولة.

حماة الاتحاد بناة الوطن،

بنات وأبناء تونس الأحرار،

 نحن على يقين من أنّ هذا الفيروس اللعين مؤقّت ومآله الزوال. ولكنّنا على يقين أيضا، من أنّه سوف يكون هناك حديث في المستقبل عمّا قبل كورونا وما بعد كورونا.

كلّ المؤشرات تؤكّد أنّ العالم بسائر مجتمعاته مقبل على مراجعات جذرية في مستوى القيم والمفاهيم والتقديرات والمقاربات كما في مستوى العلاقات والسلوكيّات، وعلينا في تونس أن نستعدّ لذلك.

فقد فرضت أزمة الكورونا مراجعة النظرة الاجتماعية إلى العديد من المهن والقطاعات، إذ مكّنت من إعلاء مهن وفئات اجتماعية عانت كثيرا من الحيف والإقصاء والتهميش والتحقير، فأبرزت الدور الحيوي للإطار الطبي وشبه الطبي ولعاملات وعمّال النظافة وللفلاّحين وللإعلاميين الشرفاء وغيرهم…وقد وجب إعادة الاعتبار المعنوي إليهم والاعتراف بفضلهم وتثمين جهودهم وتضحياتهم وعطائهم.

ولكنّ الأزمة، في نفس الوقت، كشفت الدور التخريبي لشرائح من المحتكرين والمهرّبين والمتهرّبين والسماسرة والفاسدين الذين ظلّوا حياتهم يقتاتون على المآسي ويستثمرون في الأزمات..وقد وجب فطام بعضهم وردع البعض الآخر.

كما سفّهت الأزمة كذبة استعداء القطاع العموميّ ومصادرة المرفق العام باسم قانون السوق وحريّة المبادرة الخاصة، مغالطةٌ طالما روّج لها بعض الساسة ورجال الأعمال، فلقد بيّنت جائحة كورونا وما تزال، أنْ لا معنى للفرد خارج إطار الجماعة وأنْ لا مستقبل للجماعة دون تماسك وتضامن الأفراد، وأن القطاع العام هو صمّامُ أمان في وجه كلّ الأزمات وبالنسبة لكلّ المجتمعات، وأنْ لا معنى للدولة من دونه، فهو السلاح الوحيد لديها لمقاومة الاحتكار وتعديل السوق ومقاومة منطق الربح والغنيمة وهو السند والدعم لكلّ عمق اجتماعي تبغي الدولة بلوغه. وربّ ضارّة نافعة، فقد أعادت هذه الجائحة للدولة اعتبارها ووظيفتها كمايسترو يؤَمّن تناغم الأركسترا ذات الإيقاعات المختلفة والمتنوّعة. وأعادت الاعتبار للمرفق العام ولمكانته ودوره الحيوي وطرحت التسريع بإنقاذ المؤسّسات العمومية بمقاربة تشاركية تضمن عمومية تلك المؤسّسات وديمومتها وقدرتها على استعادة دورها الاقتصادي الريادي.

كما زادت الأزمة من تعرية الخلل الاجتماعي الفاضح في بلادنا، كما في بلدان العالم، وأظهرت الهوّة العميقة بين فئات واسعة مفقّرة ومهمّشة ومقصاة ومعطّلة عن العمل مقابل فئات قليلة تحوز كلّ الامتيازات، وأظهر وباء الكورونا الحيف الذي سلّطته الأنظمة المتعاقبة على تلك الفئات الهشّة ممن وجدوا أنفسهم بلا ضمانات وبلا مداخيل ولا مستقبل مجبرين على العيش المُهين على الصدقات والهبات والمنح بدل العمل والإنتاج والعيش الكريم.

كما كشفت الأزمة عمق الظلم المسلّط على فئات كثيرة من العمّال والموظَّفين ممن أجبروا على القبول بأجور هزيلة وبغياب للحماية الاجتماعية وبعقود عمل وأشكال انتداب مهينة لا تضمن الحدّ الأدنى من العيش فضلا عن الكرامة وهم من المتعاقدين في عديد القطاعات العمومية وعمّال الحظائر والأساتذة والمعلّمين النوّاب في إطار أشكال العمل الهشّ الذي وجب وضع حدّ له، كما لم يعد مقبولا بتاتا أن تظلّ أجور عشرات الآلاف من العمّال أقلّ من الأجر الأدنى وأن تستمرّ معاناة عشرات الآلاف من المتقاعدين ممن حرموا من حقوقهم وحازوا بعد سنين من البذل والعمل على جرايات أقل بكثير حتّى من جراية الشيخوخة رغم الاتفاق مع الحكومة السابقة على تسويتها، لن نقبل أن تُمتهن كرامة العمّال وتُنتهك حقوقهم في دولة دستورها يفرض احترام كرامة الإنسان ويضمن نفاذ القانون وسيادته.

 بنات وأبناء الاتحاد،

حراير وأحرار تونس،

من المهم اليوم، وفي نطاق الحرية والمواطنة،الانتقاد ومؤاخذة بعض القرارات والإجراءات، على ألاّ يؤدّي ذلك إلى عودة التجاذبات والشدّ إلى الوراء، لكن الأهمّ من ذلك أن نواجه العدو المشترك موحّدين على أهداف وطنية واجتماعية واضحة فلا خلاص من هذا إلاّ بالعلم والوعي والتضامن والتعلّم من الدروس.

هذه مقاربتنا لمواجهة هذا الوباء الداهم، الانتصار لوحدة الصفّ والتضامن والتكافل للتقليص من فعاليّته وانتشاره في انتظار اللقاح اللازم للقضاء عليه.

ووفق هذه المقاربة سَعينا في الاتّحاد العام التونسي للشغل، ومنذ بداية انتشار الوباء، عبر بياناتنا وتصريحاتنا ولقاءاتنا بأصحاب القرار إلى تقديم المقترحات البنّاءة والتصوّرات الاستشرافية، كما حرصنا من خلال هياكلنا الوطنية والقطاعية والجهوية، إلى معاضدة جهود اللّجان الرسمية والمدنية في مواجهة هذه الجائحة ودعونا قواعدنا العمالية وعموم التونسيات والتونسيين إلى الالتزام والتقيّد بما تصدره هياكل الصحة العمومية من قرارات بما فيها احترام الحجر الصحيّ العام.

وكما شارك الاتّحاد في مختلف معارك الشعب التونسي ضدّ الاستعمار وضدّ الحيف والتخلّف والتسلّط، وحفّت به ضروب من المخاطر، وعصفت به أزمات كثيرة، داخلية وخارجية، فصمد في وجه هذه المحن جميعها ولم يَنْخَذِل، فإنّه اليوم، وهو يقف إلى جانب التونسيات والتونسيين بإمكانياته وكفاءاته لمقاومة جائحة كورونا، يهيب بكلّ المتدخّلين في بلادنا من سلط عمومية وأحزاب ومنظّمات وطنية ومكوّنات المجتمع المدني وجميع المواطنات والمواطنين لترك حساباتهم الفئوية جانبا ومواصلة مواجهة العدوّ الوبائي المشترك وفي نفس الوقت مجابهة المستفيدين من هذه الأزمة من المحتكِرين وتجّار الموت وأثرياء الأزمات المتنفّذين.

 حماة الاتحاد، بناة الوطن،

 كم يُثيرنا ويَحزّ في أنفسنا الاستماع إلى بعض التصريحات الاستفزازية الصادرة عن بعض من أصحاب المؤسّسات الخاصّة الصحية والصناعية تجاه موظّفينا وعاملاتنا وعمّالنا. وهي تصريحات، وإن كانت لا تستحقّ الردّ في مثل هذه الظروف، تنمّ عن إفراط هؤلاء في أنانيّتهم وعدم وعيهم بمقتضيات المصلحة العامّة وضعف تقديرهم لدقّة المرحلة التي تمرّ بها بلادنا، بل وتنكّرهم لواجب التضامن والتآزر.

وكم يقلقنا ويزيد من ريبتنا الاستماع إلى هذه المساومات والمزايدات بشأن اتفاق 14 أفريل 2020 الذي أنصف عمّال القطاع الخاص وأعطاهم الثقة في مؤسّساتهم وأشعرهم بالانتماء إليها وكان تتويجا لعمل اللّجنة الخاصّة بمتابعة الوضع في القطاع الخاص لأجل وضع مقاييس لدعم المؤسّسات التي تمرّ بصعوبات وضمان أجور عمّالها. وإذ نثمّن هذا الاتفاق الشجاع وكذلك اتفاقي السياحة ووكالات الأسفار لضمان أجور العمّال، فإنّنا نؤكّد على وجوب احترام الاتفاقيات بالحرص على تطبيقها احتراما للحوار الاجتماعي وضمانا لاستقرار البلاد.

كمْ يكفينا من صبرٍ وضبطٍ للنفس ونحن نرصُد الانتهاكات ضدّ العمّال في هذا الظرف العصيب من تنكّر للاتفاقات وحرمان من الأجر وطرد تعسّفي ودفع متهوّر وغير قانوني لاستئناف الأنشطة غير الحياتية دون توفير أدنى الوقاية والسلامة لآلاف العاملات والعمّال الخاضعين لتهديد بعض أرباب العلم دون مراعاة للحقّ في الحياة. وهو ما يحتّم علينا قطعا التذكير أنّنا لن نقبل بعد اليوم مثل هذه الانتهاكات ونحمّل الجميع مسؤوليتهم الدستورية والقانونية والسياسية للتصدّي لها.

رفيقاتِ دربنا، رفاقَنا،

صديقاتِنا، أصدقاءَنا،

 كم تستفزّنا دعوات البعض إلى التملّص من الواجب الوطني في هذا الظرف الدقيق هذا البعض ممن انتفعوا طويلا بامتيازات الدولة ودعم المجموعة الوطنية ولكنّهم عند الشدائد تنكّروا للوطن وللشّعب وغلّبوا مصالحهم الخاصّة والحال أنّ الظرف يقتضي تقاسم التضحيات كلّ حسب إمكانياته، في الوقت الذي لم يتوان فيه العمّال عن التضحية وبلا حساب، وقد وجب على الجميع التنافس في ذلك للخروج من الأزمة.

ولذلك فقد كان الاتّحاد العام التونسي للشغل من بين أوّل الداعين والمرحّبين باستحداث صندوق 1818 والمنظّمة اليوم ممثّلة في لجنة التصرّف فيه للنظر في موارد الصندوق وأوجه صرفها وتوجيهها أساسا إلى إسناد جهود مجابهة الوباء ودعم المستشفيات العمومية في انتظار إصلاح عاجل لمنظومتنا الصحّية يعيد للمستشفى العمومي دوره وأَلَقَه. وبادرنا كالعادة بالتبرّع من ميزانية الاتحاد لهذا الصندوق واتخذنا قرارا صعبا بالالتزام مكان سائر الأجراء بالتبرّع العام بأجرة يوم عمل ودعونا جميع هياكلنا إلى بذل المزيد من الجهد عبر مبادرات ميدانية لمعاضدة جهود اللّجان الجهوية الرسمية والمدنية في مجابهة الوباء سواء بالتأطير والتوعية أو بالمشاركة في حملات جمع التبرعات والإعانات لفائدة المحتاجين والمعوزين في انتظار حلول عاجلة وبرامج مرحلية وسياسات مستدامة لتوفير مواطن الشغل لآلاف العاطلين عن العمل وتأمين حياتهم وحياة عائلاتهم.

لم يعد بمستطاع الأجراء أن يضحّوا أكثر ممّا ضحّوا خاصّة في ظلّ الغلاء والاحتكار والتهرّب الجبائي، ولهذا ندعو الحكومة إلى اتخاذ التدابير القانونية والفنّية لوقف اقتطاع المساهمة التضامنية الاستثنائية من أجور العمّال والموظّفين فقد أدّت دورها حتّى صارت عبءا على الأجراء،

ولكن تؤسفنا في نفس الوقت الوضعية الكارثية التي أصبحت عليها مؤسّساتنا الاقتصادية وخاصّة منها المحترمة لواجباتها الجبائية والمجتمعية وكذلك المؤسّسات المتوسّطة والصغرى التي تضرّرت من الأزمة بما قد يفضي إلى اندثار كثير منها وهو ما يعني إفلاس أصحابها وفقدان مئات الآلاف من مواطن الشغل في بلد يقوم اقتصاده أساسا على هذا النوع من المؤسّسات. كما نحن قلقون كثيرا على وضعية آلاف أصحاب الصنائع والمهن الحرّة الذين فرض عليهم الحجر العام التوقّف عن أنشطتهم وهي مصدر عيشهم الوحيد، ونعتقد أنّ الحكومة ملزمة باتخاذ مزيد الإجراءات الداعمة لهم في كنف الشفافية والإنصاف وبالضمانات اللازمة.

وفي هذا الصدد نحن فخورون أنّ مقاربتنا حول الدفاع عن السيادة الوطنيّة قد أثبتت صحّتها وأنّ بناء اقتصاد متين يقوم على الإنتاج والابتكار والاختراع هو أمر ممكن لو توفّرت الإرادة السياسية وخلُص الشعور بالانتماء إلى الوطن، وإنّنا فخورون في هذا الصدد بما ابتدعه شبابنا ونخبتنا من ابتكارات تقنية وفنية، قد تبدو للبعض بسيطة، ولكنّها في عمقها الاستراتيجي تؤكّد قدرتنا على توفير احتياجاتنا التقنية وبوفرة بالتعويل على قدراتنا الذّاتية، كما نثمّن في هذا الصدد أيضا ما اتّخذ من قرارات سياسية سيادية بوقف التوريد العشوائي ومنع السلع الزائدة عن احتياجاتنا وتشجيع الإنتاج الداخلي وخاصة في المجال الفلاحي والغذائي من أجل الوصول إلى تحقيق اكتفائنا الذاتي. ونأمل أن تواصل الحكومة في هذا المسار مع مراجعة العديد من الاتفاقيات التجارية الثنائية، وفي نفس الوقت إعمال النظر في مسالة الديون وخاصّة منها مع الدوائر المانحة الكبرى، وإيجاد صيغ علمية ناجعة للتصرّف فيها، بما يمكّن من تحقيق التوازنات المالية والتجارية، ويفرض نسقا اقتصاديا أكثر تماسكا واندماجا ووفرة.

 أيتها الأخوات أيّا الأخوة،

أصدقاءنا من المناضلين الوطنيين،

لقد كشفت هذه الجائحة هشاشة بُنانا القيمية والثقافية والتربوية وضعف تماسكنا الاجتماعيّ حيث طفحت الغرائز البدائية على السطح وفي أبشع مظاهرها كالجهوية والعنصرية خاصّة ضدّ المقيمين الأفارقة وتزايد العنف ضدّ النساء وتفاقم التنكّر لحقوق العمّال والمستضعفين والمحرومين. وهي غرائز خِلْنَا أنّها وَلَّتْ وانتهت، لكنّها عادت بقوّة لتنبّهنا إلى مدى تفكّك منظومتنا التربوية ومدى تأصّل بعض الغرائز البدائية داخلنا كاستبطان العنف وتضخّم الأنانية واستشراء كراهية الآخر واستعدائه. وهي أزمة تدفعنا من جديد إلى استعادة زمام المبادرة لاستكمال الإصلاح التربوي الذي انطلقنا فيه منذ سنوات وبناء رؤية ثقافية إستراتيجية ترمّم الإنساني فينا وتجذّره في تربته وتعمّق حسّه النقدي وتفتح آفاقه المستقبلية على عالم أجمل وأرحب.

إنّنا في الاتّحاد العام التونسي للشغل على وعي تام بما يتربّص بنا من مخاطر ومن تحديات. فالوباء الذي عمّ في العالم اليوم قد أظهر بلا منازع أنّ العالم مقدم على تحوّلات عميقة وبخطى عملاقة خاصّة في مجال مستقبل العمل لتندثر أنشطة تقليدية وتظهر أنشطة جديدة يسود فيها العالم الافتراضي والأدوات الرقمية والنشاط عن بعد، وهو ما يطرح علينا في تونس وفي الحركة النقابية العالمية، الاستعداد خاصّة للتوقّي من انعكاساته الاجتماعية والحقوقية.

لذلك نقول:

حـذار من الاستهانة بتضحيات شعبنا وعطائه..

حذار من استغلال ظروف الأزمة الوبائية لتمرير إجراءات لاشعبية وفرض قرارات جائرة في حقّ قُوت الشعب وعمَلٍه ومستقبل أجياله وتحميله تبعات خيارات فاشلة لا يد له فيها..

حذار من توظيف الوضع الاستثنائي لتحويل البلاد إلى غنيمة يتمّ من خلالها تفكيك الدولة وتدمير الكفاءات وإعادة سياسة التمكين والولاءات..

حذار من الارتباك في مقاومة الفساد..

حذار من المغامرة ومن الارتجال، وحذار من الانسياق وراء ضغط الجشعين وسماسرة الموت ممّن يسبّقون الأرباح على الأرواح.

جميعُنا يتطلّع إلى العودة إلى العمل وإلى استعادة النشاط العادي لمؤسّساتنا لكنّنا نحذّر من أن يكون قرار رفع الحجر العام خاضعا لأيّ ضغوط كانت ونشدّد على أن يكون نابعا فقط عن رأي الهياكل الصحية المختصّة في البلاد وأن يُرفق بإجراءات واضحة وتمويلات كافية وشروط ملزمة في مجال حماية العاملات والعمّال وتأمين سلامتهم عبر توفير كلّ مستلزمات الوقاية والتعقيم والنظافة والتباعد في أماكن العمل مع المحافظة على مواطن الشغل.

في الأثناء على السلطة العمومية أن تبدو أكثر صرامة وأن تتّخذ إجراءات وتدابير صارمة للضرب على أيدي المحتكرين وتجّار الموت وأثرياء الأزمات والمتهرّبين من الواجب الجبائي والاجتماعي مهما كانت صفاتهم السياسية والاجتماعية وأن تحرص على تأمين التموين الضروري للمواطنين بانتظام في كنف العدل والشفافية وأن تقف دون هوادة ضدّ كلّ محاولات استغلال الأزمة الوبائية الحالية للالتفاف على مكاسب الشعب والمؤسّسات العمومية ومحاولات ضرب الحقوق والحرّيات تحت أيّ عنوان كان.

كما عليها أن تلتزم الوضوح والشفافية فيما تقول وفيما تفعل عبر الحرص على تزويد المواطنات والمواطنين بالمعلومات الرسمية الصحيحة والدقيقة. هكذا نكون قد ساعدنا شعبنا ومجتمعنا على مجابهة الخوف ونَمَّيْنَا لديه المناعة لمقاومة الجوائح. ومن الأكيد أنّ الجائحة زائلة ويجب الاستعداد، مثلما قلنا، إلى ما بعدها لفض العديد من المشاكل العالقة وضبط السياسات والبرامج والملفّات الكبرى وفق مقاربة اجتماعية متأصّلة تهدف إلى تحقيق أكثر ما يمكن من العدالة الاجتماعية.

 أيّتها الأخوات والأخوة،

رفاق دربنا،

لاشكّ أنّ وقع الأزمة الوبائية العالمية سيكون أكبر وأخطر على إخوانا في البلدان العربية التي تعيش حروبا طاحنة وترزح تحت احتلال بغيض في ليبيا وسوريا واليمن والعراق وخاصّة في فلسطين حيث اجتمع على أهلنا في هذه البلدان الشقيقة التطاحنُ والتدميرُ والتدخّلُ الأجنبي والاحتلالُ الصهيوني العنصري، ولاشكّ أنّ الدعوات العالمية لوقف الاقتتال وإنهاء الحروب والقضاء على كلّ أشكال التمييز والاحتلال هي دعوات ملحّة نرجو أن تفرضها ظروف أزمة الكورونا لتتحوّل إلى وعي إنساني كوني، وإنّنا في الاتحاد العام التونسي للشغل لن نتوانى على مواصلة الضغط في هذا اتجاه وسيكون صوتُنا مدوّيا في كل المحافل الدولية، مع رفاقنا في الحركة النقابية العالمية، من أجل فرض إنهاء الحروب والاستعمار ومن أجل احترام حقّ الشعوب في تقرير مصيرها ومن أجل استرجاع الحق الفلسطيني ورفع المعاناة عنه وبناء دولته المستقلّة وعاصمتها القدس الشريف. وإنّنا بنفس المناسبة نعبّر عن تضامننا الإنساني مع كلّ الشعوب المتضرّرة بوباء الكورونا وندين سياسات التهوّر والمغامرة التي اتبعتها بعض الدول في حقّ شعوبها بما أظهرته من تراخ واستهتار وحسابات في مجابهة هذا الوباء العالمي.

 عاشت وحدة العمّال والشعوب

عاش الاتحاد العام التونسي للشّغل

عاشت تونس

المجد والخلود للشّهداء

العزّة للوطن والسيادة للشّعب

عن فريق الاعلام والنشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *