أخبار الرئيسيةالأمانة العامةبيانات الاتحاد

كلمة غرة مـاي 2021

عاملات وعمّال تونس،

أخواتي وإخوتي في النضال، حُماة الاتحاد والوطن،

صديقات وأصدقاء الاتحاد الأوفياء،

 

 

للسنةِ الثانيةِ على التوالي تَضْطَرُّنا جائحةُ كورونا الخبيثة إلى إحياءِ عيد الشغل العالمي مُتباعِدينَ، مَحرومينَ من حرارةِ اللقاءِ ومن مُتْعَةِ الاحتفالِ الجماعي.

لكنَّ احترامَنَا لتقاليدِ التضامُنِ والتآزُرِ، والتزامَنَا بواجبِ البقاءِ أوفياءَ لدماءِ الشهداء، وَحِرصَنا الشديدَ على تَقاسُمِ مُتْعَةِ الاحتفالِ بهذا العيدِ فيما بينَنَا ومع بقيّةِ عمّالِ العالَمِ أيْنَمَا كانوا، حَفَّزَتْنَا جميعُنَا لِنَكونَ في الموعِدِ لِنَقِفَ في خُشوعٍ وإجلالٍ تخليدًا لذكرَى عاملاتِ وعُمّالِ شِيكَاغُو بالولاياتِ المتحدةِ الأمريكيةِ الذين انْتَفَضُوا في منتصفِ ثَمانِينيّات القرنِ التاسعِ عشرَ ضِدَّ قوى الاستغلالِ وغُلاةِ الرأسماليةِ المُستَبدِّةِ، تقديرا منَّا لما رَسَموه بتضحِياتِهِم على دَرْبِ الحريةِ والانعتاقِ واعترافا لهمْ بما وَفَّرُوهُ للحركةِ العمّاليةِ العالميةِ من آفاقٍ رحبةٍ لمراكمةِ المكاسِبِ والحُقوقِ والامتيازاتِ على مَرِّ السنين.. فأجمَلُ تحيّةٍ لعمّالِ العالمِ راجين للبشريةِ جمعاءً السلامةَ والخروجِ من هذه الجائحةِ الكَوْنِيَّةِ الخطيرةِ.. كما أنّها مناسبةٌ لتوجيهِ تَحِيّةِ التقديرِ والإكْبارِ لشَعبِنا في فلسطين الذي يُقاومُ ببسالةٍ عَسْفَ المُحتلِّ الصهيونِي ويُثبِتُ دوما قُدرةً خارِقةً على الصمود وتشبُّثا لا يَلِينُ بالأرضِ والتاريخِ وأَمَلا لا يَنقطِعُ في التحرُّرِ وبِناءِ الدّولةِ وعاصمتُهَا القدس الشريف وفي نفسِ الوقتِ نُهنِّئُ أَشِقَّاءَنَا في ليبيا على ما توصَّلُوا إليه من توافقاتٍ وحواراتٍ بنّاءَةٍ في اتجاهِ التَّعافي والتخلُّصِ من التدخُّلِ الأجنبِي وتَجَاوُزِ آثارِ حَربٍ مُدمِّرَةٍ كَادَتْ تَعْصِفُ بمُجتمعِها وبِوحدَةِ تُرابِها.

 

الأخوات والإخوة الأعزّاء،

ليس من شِيَم نقابيّاتِ ونقابيي الاتحاد العام التونسي للشغل ولا من تقاليدِهم الاستسلام أمامَ المِحنِ ولا التسليمَ بالقدرِ، فقد كُنَّا دَوْمًا أسيادَ مَصِيرِنَا وقادَةَ قَدَرِنَا ولكنَّ المشهدَ السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي أصبَحَت عليه تونس اليومَ، والذي باتَ يُنذِرُبأسوَإِ المخاطرِ، يُمْلِي علينا واجِبَ الصُدُوعِ  بالحقيقةِ ويُحمِّلُنا مسؤوليّةَ تَسمِيةِ الأشياءِ بأسمائِها.

إنَّ كُلَّ المؤشّراتِ اليومَ تُشيرُ إلى أنَّ تونس تَعيشُ حالة انجذابٍ  قويّ نحو الهاويةِ.

من المُؤسِفِ القولُ إنَّهُ لم يبقَ من الآمال التي علّقناها على امتداد العشرِ سنواتٍ الماضية من عمر ثورة 17 ديسمبر 14 جانفي إلاّ الذكريات.

فالحُلُمُ الذي راودَنا بأن نَكُونَ الاستثناءَ العربِي في مجالِ الانتقالِ الديمقراطي المُكْسِبِ للحريةِ والكرامةِ والعدالةِ الاجتماعيةِ، يَكَادُ يَتَبَخَّرُ ويَنْدَثِرُ بفعلِ التَّهَافُتِ على السلطةِ  وعدمِ النُّضجِ السياسي لبعضِ الأطرافِ علاوةً على النَّزَعَاتِ الشعبويّةِ التي طَغَتْ على المَشْهَدِ.

والرصيدُ الذي جَنَيْنَاهُ من تجربةِ الحوارِ الوطني، التي كَرَّمَهَا العالَمُ بمَنْحِها جائزةَ نُوبل للسلامِ سنة 2015، اسْتَهْلَكَتْهُ سياسةُ المحاصَصَةِ وسَلَبَتْهُ المُفَاهَمَاتُ الانتهازيةُ كُلَّ معانِيهِ ومَقاصِدِه النبيلَةِ.

والدستورُ الجديدُ الذي قُدِّمَ للعالَمِ كَمَفْخَرَةٍ تُبَاهِي به البلادُ ويُبَاهِي بِها، تَحوَّلَ إلى حِصَانِ طَرْوَادَة يُوظَّفُ حسبَ الأهواءِ ومَوازِينِ القوى، ويُؤَوَّلُ وِفْقَ ما تَقتضِيه مَصلحةُ هذا الحزبِ أو ذاك وهذا التَّحالُفُ أو ذاك، علاوةً على ما طَفَحَ منه بمرورِ الوقتِ من أَلْغَامٍ وغموضٍ يحتاجُ إلى تعديلاتٍ وتوضيحٍ.

أمّا التفاؤُلُ بشأنِ قُدرةِ مَنظومتِنا الصحيةِ على مواجهةِ جائحةِ كورونا وتطويقِ مضاعفاتِها الصحية والاقتصادية والاجتماعية فقد تَحَوَّلَ، في المدّةِ الأخيرةِ مع الموجةِ الثانيةِ والثالثةِ من الوباءِ، إلى كابوسٍ خانقٍ بسببِ صيحَاتِ الانتصار المبكِّرَةِ وعدم استخلاصِ الدروسِ من الموجةِ الأولى وغيابِ الاستشرافِ والتخطيطِ وأيضا نتيجةَ  الانْفِلاتِ العامِّ المُسَجَّلِ في كاملِ أنحاءِ البلادِ، والتقَاعُسِ المُخْزِي في توفيرِ ما يلزَم من التلاقيحِ الكافيةِ وفي الآجال المُعلَنَةِ والمُحدَّدَةِ، والإنهاكِ الجَسدي والنفسي الذي يَكادُ يَستوفِي طاقاتِ إطاراتِنا الطبيةِ وشبهِ الطبية  دُونَ تقديمِ أيَّ تَحفيزٍ يُثمِّنُ تضحياتِهم أو بَذْلِ جهودٍ لدعمِ مواردِهم البشرية، واقْتَرَنَ كُلُّ ذلك بالعجزِ الموصوفِ عن التوفيق بين مُقتضياتِ الحجرِ الصحّي وتطويقِ انتِشارِ الوَباءِ من ناحيةٍ، وضروراتِ الحياةِ الاقتصادية والاجتماعية وما تَستدعيه من واجبِ الإحاطَةِ بالفئاتِ الضعيفةِ وضرورةِ إسنادِ أصحاب المِهَنِ الحُرّةِ والمُؤسّساتِ المُتضرّرةِ من ناحيةٍ أخرى.

هذا ما أصبحنا نَعيشُ على وقْعِهِ كُلَّ يومٍ، مزايداتٌ ومُهَاتَرَاتٌ بائسةٌ وعدميّةٌ في قطيعةٍ تامّة مع مَشاغِلِ التونسيّاتِ والتونسيين اليوميةِ ومع الاستحقاقاتِ الحقيقيةِ الكفيلةِ بوضعِ البلادِ على سِكّةِ الإنقاذِ والخَلاصِ.

وقد تَتَابَعَتْ طيلةَ المدّةِ الأخيرةِ عديدُ الخطواتِ التي زادَت في تأزيمِ الوضعِ وتعقيدِه بدءًا بالتحويرِ الوزارِي وُمرورا بمُشكلةِ إرساءِ المحكمةِ الدستوريةِ ووصولا إلى التعييناتِ الأخيرةِ في مناصبٍ حسّاسةٍ من الدولةِ عَمّقَتْ القطيعَةَ بين مُكوِّناتِ السلطتَيْن التشريعيةِ والتنفيذيةِ وتُنذِرُ بتفكُّكِ أجهزةِ الدولةِ وتَصادُمِها.

أمّا اقتصادُنا الوطني فهو الآخَرُ، وبشهادةِ القاصِي والدانِي، قد شارَفَ على الانهيارِ وبَاتَ مُهدَّدًا جِدِّيًا بالإفلاسِ وأصبحَت مُختلفُ مُؤشِّراتِهِ تُنذِرُ بأَسْوإِ العواقبِ..انهِيارٌ يُؤكِّدُهُ التراجُعُ المُستمرُّ لترقيمِ تونس السيادي، وعجزٌ شاملٌ لأغلبِ المُوازناتِ الماليةِ والتجارية وغيرها..وسلبيّة نموِّ مختَلَفِ القطاعاتِ وغَلقُ العديدِ من المؤسّساتِ الصُغرى والمتوسّطةِ لعدمِ قدرتِها على الصمودِ أمام المنافسة غير المتكافئة وتَعرُّضُ أصحابِ بعضِها إلى التتبُّعاتِ القانونيّةِ وإحالةُ الآلاف من العامِلاتِ والعمّالِ على البطالةِ وهو انهيارٌ لا يعودُ فقط إلى تداعياتِ جائحةِ كورونا بل كذلك إلى هَشَاشَةٍ مُتَأصّلةٍ في النموذجِ الاقتصادي التونسي وفي طبيعةِ المِنوالِ التنموِي الذي طالَما نَبّهنا إلى مضاعَفاتِهِ الوَخِيمَةِ والمُدمِّرَةِ ونادَيْنا باستبدالِه حتّى يكونَ عادِلاً دامِجًا مُستجِيبا لشروطِ التنميةِ المستدامةِ.

أمّا وَضْعُنَا الاجتماعي والمُجتمعِي فحدِّثْ ولا حَرَج.. فقرٌ مُسْتَشْرٍ سَحَقَ الفئاتِ الفقيرةِ والمُهَمَّشَةِ وحَطَّمَ المتوسطةَ مِنها، وقُدرةٌ شرائية دَمّرتها شبكات الاحتكارِ والتوزيعِ الموازيةِ المُعربِدَةِ وأنهَكَها لَهِيبُ الأسعارِ والمُضارباتِ، في ظلِّ غيابٍ تامٍّ لإرادةٍ سياسيةٍ للتصدِّي لها وفسادٌ مُنتشِرٍ في كُلِّ مَفاصِلِ الدولة وقُصورٌ شاملٌ عن المراقبةِ والعِقابِ مع مناخٍ سياسِي واقتصادي وصحّي مَوبُوءٍ.

 

مناضلات ومناضلي الاتحاد،

حراير وأحرار تونس،

على خلفيّةِ هذا الشّللِ المُؤسّساتي المُستفحِلِ، وهذا المشهَدُ السياسي المشحونِ، وهذا التسيّبُ غيرِ المسبوقِ والركودُ الاقتصادي المُفزِعُ، استفحَلَت ظاهرةُ العنفِ وطالت مختلَفَ شرائِح المجتمعِ، وتزايدَ التجاسُرُ على القانونِ وعلى أجهزةِ الدولةِ ليُضاعِفَ من منسوبِ الانفلاتِ، ويَفسحَ المجالَ واسعًا أمامَ تفشِّي الفسادِ والانحرافِ وعربدةِ عصاباتِ التهريبِ وتجُّارِ المُخدّرات ومُحترفي الاتّجار بالبشرِ والهجرةِ السريةِ، وهو ما ساعدَ على استفحالِ حالةِ الفوضَى ومظاهرِ العصيانِ والتمرّدِ على النظامِ العامِّ، وتزايُدِ ردودِ الفعلِ البدائيّةِ كالتعصُّبِ الجهوي والعشائِري، وتراجعِ قيمِ التكافلِ والتضامنِ، وَسَادَ الشكُّ والخوفُ، وانعدمَت الثِّقةُ.

كما تَنَامَى خطابُ التطرُّفِ والكراهيةِ خطابٌ يَصدُرُ عن كتلةٍ تحتمِي بالحصانَةِ البرلمانيةِ ويرعَاهُ ائتلافٌ حاكِمٌ إمّا بالتواطُؤِ أو بالصمتِ ويتغلَّفُ بالثورجيةِ والشعبويةِ ويحتمِي بالديمقراطيةِ وبالمناسبةِ فإنَّنا نُعلِنُ تنديدنا الشديِد بكلِّ العملياتِ الإرهابيةِ وآخرُها الجريمةُ الإرهابيةُ الشنيعةُ التي أقدمَ عليها مُهاجرٌ تونسيٌ في فرنسا وذهبَت ضحيّتَها أمٌّ لطفلينِ.. ستُشكِّلُ بالتأكيد عاملا ضاغِطا ضدَّ التونسياتِ والتونسيِين المهاجرينَ وستُسيءُ مرّةً أخرى لسُمعةِ تونس كدولةٍ مُصدّرةٍ للإرهابِ..

هكذا تَبدو الحالة اليومَ في تونس..

        سفينةٌ تتقاذفُهاالأمواج العاتيةُ والرياحُ العاصفةُ..

        تَسألونَ عن المتسبّبِ فيما وصلتْ إليه بلادُنا من فوضى وعَطالةٍ وتأزّمٍ..

        لن نتردَّدَ في القولِ أنّ السببَ في ذلك يعودُ:

أوّلا إلى غيابِ الحوارِ واحتدامِ الصراعِ بين مختلفِ مؤسّساتِ الدولةِ ممّا أفقدَها جميعَها المصداقيةَ التي تليقُ بها وثقةَ المواطنين الضروريةِ لإكسابِها المشروعيةَ الشعبيةَ.

وثانيا إلى حالة الوَهَنِ والاستسلام التي أصبحَ عليها نظامُ الحكمِ في بلادِنا بعدَ أن أصبح لُعبةً بين أيدي بارونات المالِ الفاسدِ وأداةً طيّعةً لتنفيذِ أجندات وارتباطاتٍ خارجيةِ والالتفافٍ على استحقاقاتِ الثورةِ، وَانْسَاقَ وراءَ لعبةِ المُحاصَصَةِ والوَلاءِ وتنكَّرَ لوظيفَتِهِ الأصليةِ التي تقضِي بتوفير مُقوّماتِ الكرامةِ للناسِ وفَرضِ سيادةِ القانونِ وهيبةِ الدولةِوعدالتِها واستِئصالِ الفسادِ ومقاومتِهِ وحمايةِ المرفقِ العُمومي وتطويرِه وتحصِينِ المجتمعِ صِحّيًا وتَربَويًا وأمنيًا ومدنيًا وضمانِ حقِّ أجيالِ المُستقبلِ.

 

أخواتي إخوتي في النضال،

لقد كُنّا دوما، وما نزال، حاملين لهُمومِ شعبِنا، مُؤتمَنينَ على مكتَسباتِهِ واستحقاقاتِهِ في الحريةِ والعدالةِ والمساواةِ. وقد كان من واجبِنا، إزاءَ ما باتَ يهزُّ بلادَنا من وباءٍ قاتلٍ ومن شللٍ مُربكٍ ومن فوضى عارمةٍ وصراعاتٍ عَبثيّةٍ وانحدارٍ نحو الاستبدادِ والفسادِ، الدعوة إلى حوارٍ وطنيّ جامع يقطعُ مع هَوَسِ التفرّدِ بالحكمِ والتغوّلِ في السلطة والتمكّنِ من مَفاصِل الدولة والرغبةِ الجامحةِ في إفسادِ الحياةِ السياسيةِ  والمجتمعيةِ، والانشغالِ بتغذيةِ الصراعاتِ المذهبيةِ والعقائديةِ والخطابِ الشعبوي المشحونِ بالكراهيةِ والتعصُّبِ، وترذيلِ المؤسّسات.

وقد رأينا في رئيسِ الجمهوريةِ الجهةَ المناسبةَ لرِعايَةِ هذا الحوار، باعتبارِه رئيسَ الدولةِ ورمزَ وحدتِها والضامن لاستقلالِها واستمراريتِها ولاحترامِ الدستورِ.

إنّنا وكنّا إن نعتزُّ بما لاقتْهُ هذهِ المبادرةُ من استحسانٍ لدى العديد من الأحزابِ والمنظّماتِ والشخصياتِ الوطنيةِ، دون أن نُنكِرَ سعيَ البعض إلى وضع العراقيل أمامها، فإنّنا نحذِّرُ من أنَّ التأخيرَ في تجسيدها على أرضِ الواقعِ من ناحيةٍ، والسعيَ إلى التشكيكِ في جَدواها من بعض الأطراف الحاقدةِ من ناحيةٍ ثانيةٍ، ونراها مؤشِّراتٍ سيّئةً تدلُّ على الرغبةِ في تأبيد أزمتِنا وتمديدِ مِحنتِنا باسم الشرعية الانتخابية تارةً وباسم الخصومات الشعبوية تارةً أخرى.

نقول لهؤلاء ولأولئك، أنَّ الشرعيةَ لا تبرِّرُ إذلالَ الناسِ ومصادرةَ حقِّ الاحتجاجِ والتظاهُرِ للتعبير عمّا يُخالِجُ الفردَوالمجموعةَ  من معاناةٍ وانشغالاتٍ ومن انتظاراتٍ.

كما لا تُبرِّرُ الشرعيةُ بأيِّ حالٍ، توظيفَ أجهزةِ الدولةِ للمقايضَةِ والابتزازِ ولمصادرَةِ الرأيَ المخالفِ وترهيبِ المُعارضين.

لن يتمكّنَ أيٌّ كانَ من اكتسابِ الشرعيةِ عبر التعييناتِ المُسقطةِ القائمةِ على الولاءاتِ والانتماءاتِ وعبر التنصيبِ بالقوّةِ العامّة ولا بقمعِ الاحتجاجاتِ وتكميمِ الأفواهِ ولا بإثقالِ كاهلِ دافعِي الضرائِبِ وضِعَافِ الحالِ بالزياداتِ المُشطَّةِ في الأسعارِ.

ولن يتمكَّنَ أيٌّ كان من اكتسابِ الشرعيةِ بإلغاءِ مشروعيةِ الغيرِوتشويهِ الخُصومِ وبثِّ الإشاعاتِ والتهجُّمِ على رموزِ الدّولةِ واحتكارِ النفوذِ لنفسهِ ولذويهِ. ولن يُكتَبَ لأيِّ شرعيةٍ البقاءَ والدوامَ إذا كانت تُحرّكُها دوافعُ الغنيمةِ وتَحكُمُها اللّهفَةُ على الحكمِ وخلفيّةُ التدافُعِ والتمكينِ بما تعنيهِ من رغبةٍ في الإقصاءِ والتمييزِ والتسلّطِ، ومن تحريضٍ على الفتنةِ والاقتتالِ.

 

الأخوات والإخوة،

يعودُ علينا عيدُ الشغل العالمي هذه السنة، وبلادُنا تعيشُ وضعًا مَأْسَوِيًّا لا عَهْدَ لها به، وحالةَ انفصامٍ لم تَعهَدْها من قبلُ. انفصامٌ بين إجماعِ أهلِ الاختصاصِ من أطبّاءَ وخبراءَ اقتصاديين وماليين وممثّلين نقابيّين عن العمّالِ وأصحابِ المؤسّساتِ ومواطنين حول هَوْلِ الكارثةِ، وبين النُخبةِ السياسيةِ المُنشغلةِ في غالِبِها بتجاذباتِها البِيزَنْطِيَّة ومُنَاكَفَاتِها الغَوْغَائِيّة والبعيدةِ كلَّ البعدِ عن هُمومِ التونسياتِ والتونسيينِ وعمّا ينفعُ الناسَ وما تحتاجُهُ البلادُ من حلولٍ وإصلاحاتٍ عاجلةٍ وآجلةٍ..إصلاحاتٌ وحلولٌ تُعيد للعملِ قيمتَهُ وللاقتصادِ حيويّتَهُ وتُرسِي للقانون عُلوِيّتَهُ وللدولةِ هيبَتَها وللمجتمعِ أَمْنَهُ واستقرارَهُ وتَحمِي للمواطنَ كرامَتَهُ وترسِّخُ فيه الثقةَ في المنظومةِ التي تحكُمُهُ.

 

الأخوات والإخوة،

إنّ الواجبَ يدعونا اليومَ رئاسةً وحكومةً وبرلمانًا وأحزابًا ومنظّماتٍ وجمعيّاتٍ ومواطنين إلى تغليبِ المصلَحةِ العليَا للبلادِ، ونَبذِ التجاذباتِ التي لا تقودُ إلاّ إلى الفتنةِ والتصادُم وإلى الانفلاتِ الأمنِي، والتَلْهِيَةِ عن المواجهةِ الجماعيةِ لِكُلِّ التهديداتِ والمخاطرِ والأزماتِ التي تتربّصُ بنا.

إنّنا في الاتحاد العام التونسي للشغل على يقينٍ تامٍّ من أنَّ الحوارَ الوطنيَ والمثابرةَ عليهِ واستبطانَه في سلوكِنا اليومي بوصفِهِ أداةً ناجعةً لفضِّ الخلافاتِ، لا هدفًا في حدِّ ذاتِه، يُمثِّلُ امتحانًا حقيقيًّا لنا جميعًا كمجموعةٍ وطنيةٍ، وهو فرصَتُنا الوحيدةُ لاستعادةِ تماسُكِنا ووحدتِنا وللخروجِ من مستنقعِ الصراعاتِ المحكومةِ بحساباتٍ فئويةٍ أو حِزبيةٍ أو جهويةٍ أو شخصيةٍ ضَيّقةٍ أو بأجنداتٍ أجنبيةٍ لا تريد الخيرَ لبلادِنا ولشعبِنا بل تعملُ على ارتهان قرارِنا وزرعِ الفُرقَةِ بيننا بغاية سلبِنا سيادَتَنا وتطويعِ إرادَتِنا لمشيئَتِها.

لقد أَصبَحتْ النارُ في الدارِ، أيّتها الأخوات أيّها الإخوة، فإمّا الخلاصُ جميعًا أو الهلاكُ جميعا،

ولِكلٍّ ذلك لم نَتردَّد في  تقديمِ مبادرةٍ لإرساءِ حوارٍ يُنهِي حالةَ الاحترابِ غيرِ المُعلَنِ..حوارٌنَعتبِرُهُ السبيلَ الأقلَّ كلفةً لتجاوُزِ الأزمةِ وهو حوار لا ينتصِر لطرفٍ على آخرَ، رغمَ قناعتِنا بأنَّ المسؤولياتِ متفاوتةٌ في هذا التدهورِ العام، وَهَا قد مرَّت أشهرٌ وأشهرٌ دونَ التقدُّمِ في هذا المسارِ فلا مَنَاصَّ وقتَها وفي آخرِ المطافِ، إذا تواصلَ المأزقُ والتعنُّتُ ، من إعادة العُهدَةِ لمن أعطاها وهو الشعبُ، حتّى نجنِّبَ بلادَنا التقاتُلَ ودولتَنَا التفكُّكَ ومجتمعَنا الانهيارَ.

 

أيّتها الأخوات أيّها الأخوة،

إنّنا في الاتحاد العام التونسي للشغل على اقتناعٍ أنَّ التضحيةَ لا بدَّ أنْ تكونَ القاسِمَ المشتَركَ بين جميعِ من يُؤمنونَ بتونسَ واحدةً موحّدةً مدنيّةً حرّةً مستقلّةً ذات سيادةٍ. ونحن نَعتقد أنّ أسبقيةَ الفئاتِ الميسورةِ في تحمّلِ تبعاتِ الأزمةِ والانخراطَ فيها، سوفَ يكونُ له أثرٌ رمزي هامٌّ ووقعٌ إيجابِي محفِّزٌ لبقيةِ شرائحِ المجتمعِ، خاصةً أنَّ الأُجراءَ والفئاتِ المُفقّرَةَ والمحرومةَ وذوي الإعاقة وغيرهم هم الأكثر تضرّرا بالآثار الوخيمة للأزمة وكانوا قد قدّموا التضحياتِ تِلْوَ الأخرى وما عادوا قادرين على تحمّلِ الآثارِ المُنهكةِ لطاقتِهم.

كما لا بدَّ في مثلِ هذه المناسبةِ العمّاليةِ أن نُشيرَ إلى ما يتعرّضُ إليهِ العمّالُ في بعض المؤسّساتِ من جحودٍ وعَسْفٍ وطردٍ وقَضْمِ للمكاسبِ تحتَ سِتارِ الجائحةِ، ونُدينَ تَعمُّدَ بعضِ أربابِ العملِ استغلالَ الظرفِ لضربِ حقوقِ العمّالِ وتقصيرهِم عن المجهودِ الوطني في مكافحةِ الجائحةِ والتصدِّي لتَبِعَاتِها الاجتماعيةِ.

إنّ مباشرَةَ الإصلاحاتِ الضروريةِ بما يبعِدُ عن البلادِ شبحَ الإفلاسِ الوشيكِ ويُعيدُ

للماليةِ العموميةِ حَيويّتَها وللاقتصادِ عافيتَهُ أصبحتْ مهمّةً ملحّةً لكنّها يجبُ أن تُنجَزَ على قاعدةِ الثوابتِ الوطنيةِ ومنها صيانَةُ سيادةِ البلادِ واستقلالِها وعموميةِ مؤسَّساتِها.

على الحكومة أن تتحمّلَ مسؤوليّاتِها وتُسارِعَ بِجَلْبِ التلاقيحِ والتعجِيلِ بحملاتِ  التطعيمِ، فالمستشفياتُ فاضتْ بمرضَاها وبلغَتْ طاقةُ استيعابِها مَداها.

وعلى الحكومةِ، وأيُّ حكومةٍ مستقبليةٍ، أن تَضرِبَ بيدٍ من حديدٍ على المتحكّمين في شبكاتِ التوزيعِ الموازيةِ والمضاربين الذين ارْتَهَنُوا قُوتَ التونسياتِ والتونسيينِ، ودَمّرُوا قُدُراتِهم الشرائيةِ. عليها أن تثبِتَ بالدليلِ والبُرهانِ إرادَتَها في مكافحةِ الفسادِ أينما كان، وأن تُلاحِقَ وتُقاضيَ المُتورّطينَ فيهِ دونَ اعتبارٍ لولاءاتِهم الحِزبيةِ ولمراكزهِم السياسيةِ ولمسؤوليّاتِهم الإداريةِ ولانتماءاتِهم الجهويةِ أو العائليةِ.

عليها أن تُحارِبَ المُتهرّبينَ عن دفعِ واجباتِهِم الجبائيِة والاجتماعية..

عليها أن تمضِي قُدُمًا في تنفيذِ ما اتّفقنَا عليهِ بشأنِ إصلاحِ مؤسّساتِنا العمومية السبعِ بموجَبِ اتفاق 30 مارس 2021 والإسراع بتنفيذ اتفاق 06 فيفري 2021 الخاص بالاتفاقيات القطاعية وإنهاء معضلة التشغيل الهَشّ وإصدار الامر الخاص بعمّال الحظائر وفتح مفاوضات اجتماعية في القطاع العام والوظيفة العمومية وفي القطاع الخاص بجانبيها المالي والترتيبي لتعديل القدرة الشرائية للأجراء.

ونحن على يقينٍ أنّ نجاحَنا في انتشالِ المؤسّساتِ العموميةِ من الصعوباتِ التي تُعاني منها سوف يُحفِّزُنا لبلورةِ مقاربةٍ شاملةٍ من أجل إعادة تأهيلِ مؤسّساتِنا العموميةِ لتُساهِمَ عن جدارةٍ في المجهودِ التنموي وفي دعمِ دورِ الدولةِ التعديلي.

وعليها أن تتوخّى الشفافية والوضوح في كلّ الملفّات الاقتصادية وخاصة منها أثناء مفاوضاتها مع الدول والمؤسسات المالية العالمية وألاّ تتخذ أي قرار في هذا الشأن دون الرجوع إلى الشركاء الاجتماعيين وإلى الشعب لتكون مصلحة البلاد وسيادتُها فوق كلّ الاعتبارات.

عليها ملازمةُ الحيادِ في إدارةِ الشأنِ العامِّ وأن تكونَ على مسافةٍ واحدةٍ من الجميع وأن تتعاملَ مع من هُم في الحكْمِ ومن هُمْ في المعارضةِ على قدمٍ المساواة ووفقَ القانونِ لا غير.

على الحكومةِ أن تنطلقَ في إجراءاتٍ اجتماعيةٍ عاجلةٍ وأن تَفتَحَ تفاوضًا من أجلِ تحسينِ القدرةِ الشرائيةِ للتونسياتِ والتونسيين ومِنهُم الأجراءَ وذلك في أسرعِ الآجال.

عليها أن تتخلّى عن استعمالِ العصا الغليظةَ ضدَّ المحتجِّينَ من أصحابِ الرأي ومن المنتفضينَ للدفاعِ عن حقوقِهِم وأن تتخلَّى نهائيًا عن التعيناتِ المُسقطةِ والتنصيبِ بواسطةِ القوّةِ العامةِ. فكلُّ محاولةٍ منها للهيمنةِ على المرفَقِ العمومي ومنه مرفق الإعلامِ العمومي والسعيُ إلى توظيفه ينالُ من مصداقيّتها ويفقدُها ثقة المواطنين ويعمِّقُ الأزمةَ التي هي عليها.

على مجلس النوّابِ أن يخرج من مستنقعِ المُناكفاتِ الغَوغَائِيَةِ والممارساتِ الاستعراضيةِ وأن يَمنعَ نوّابَه من التذرُّعِ بالحصانةِ البرلمانيةِ لاستباحةِ الأمنِ العامِّ والتطاولِ على مؤسّساتِ الدولةِ وآخرُها التهجّمُ المُشِينُ على رئيسِ الجمهوريةِ وتشويهِ سُمعتِهِ داخليًّا وخارجيًّا بِتُهَمٍ خطيرةٍ ونستغلُّ المناسبَةَ للتّعبيرِعن تنديدِنا بما أتاه أحد النوّاب الذين احترفُوا القدحَ في حقِّ رئيسِ الجمهوريةِ كما نُطالِبُ مجلسَ نوّابِ الشعبِ بالكفِّ عن الكيْلِ بمكيالينِ في التعاملِ مع النوّابِ.

على الأغلبيةِ فيه أن تَكُفَّ عن اعتبار المجلسِ ملكيّةً حصريةً لها وأن تترفَّعَ عن ممارسةِ الوصايَةِ والهيمنةِ على الهيئاتِ الدستوريةِ المستحدَثَةِ لتوجيهِ أعمالِها أو عَرقلتِها، مثلما يحدثُ للهيئةِ العُليَا المستقلةِ للاتصالِ السمعِي البصرِي، ونُطالِبُها بالتعجيل باستحداث ما تبقَّى من الهيئاتِ وبإرساءِ المحكمةِ الدستوريةِ على قاعدةِ الكفاءَةِ والجدارَةِ والمصداقيةِ لا المحاصصةِ والولاءاتِ.

وفي نفس الوقتِ فالمنتظَرُ من رئيسِ الجمهوريةِ تعزيزُ تفعيلِ دورِهِ كَضامنٍ لاحترامِ الدستورِ وحامٍ للوطنِ ولأمنِهِ القومِي من كلِّ التهديداتِ الدّاخليةِ والخارجيةِ وأن يُعجِّلَ بالتفاعُلِ الإيجابِي للخروجِ من المرحلةِ العصيبَةِ التي تمرُّ بها البلادُ والحرصُ على تجميعِ الفرقاءِ والتأليفُ فيما بينَهُمْ على قاعدةِ الولاءِ لتونسَ وحدَها وذلك بتفعيلِ نداءِ الاتحاد للدعوةِ إلى حوارٍ وطنِي جامعٍ وأن يُبادِرَ، قبلَ فواتِ الأوانِ، بوضعِ المستلزماتِ والآلياتِ الضروريةِ لإدارةِ هذا الحوارِ متعدِّد الأبعادِ على قاعدةِ القواسِمِ المشترَكَةِ التي تَشغَلُنا والتي حدَّدنَا بعضَ جوانِبِها في المذكّرةِ التي تقدّمْنَا بها إليهِ منذ مدّةٍ.

إنّ كلّ تأجيل لهذا الحوار المنشود من شأنه أن يزيدَ من الانجِذابِ نحوَالأسوإِ وحسبُنا أنّنَا نبّهنَا وشَدّدنا على تَأكُّدِهِ وضرورتِه المُطلقةِ.

إنّ مقاربةَ الاختلافِ والتنوّعِ وفقَ شروطِ الحوكمةِ الرشيدةِ القائمةِ على الشفافيةِ والمساءَلَةِ واحترامِ القانونِ ومراعاةِ مصالحِ الغيرِ هي وحدَها الكفيلةُ بالحدِّ من المخاطِرِ بتوفيرِ مقوِّماتِ الاستمرارِ والبقاءِ. ووحدَها الكفيلةُ ببناءِ الثقةِ والتحفيزِ على المشاركةِ وعلى البذلِ والعطاءِ.

لقد أصبحتْ تونسَ في ظلِّ هذا المشهدِ الموبوءِ على جميعِ المُستوياتِ في أشدِّ الحاجةِ إلى صوتِ الحكمةِ وإلى عودةِ الوعيِ للجميع.

تونسُ اليومَ تستغيثُ وتستجيرُ ببناتِها وأبنائِها للمحافظةِ على وحدتِها وعلى تماسُكِ مجتمعِها وعلى صونِ سيادتِها واستقلالِها..

تونسُ في حاجةٍ إلى هبَّةٍ جماعيةٍ لا تستثنِي إلاّ من يريدُ إقصاءَ نفسهِ..

فلا تخذِلُوهَا..

عاشت تونس

عاش الشغّالون في تونس

عاش التضامن العمّالي العالمي،

عاش الاتحاد العام التونسي للشغل ديمقراطيا مستقلاّ مناضلا.

أحمد العسالي

الفريق الاعلامي للاتحاد العام التونسي للشغل

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى