
من إنتاج المعايير إلى صناعة المواقف : أي دور لهياكل الاتحاد في المنظمات النقابية الدولية ؟
الشعب نيوز / ضياء تقتق – انطلقت أشغال الجلسة الأولى من الندوة الوطنية لقسم العلاقات العربية والدولية تحت عنوان: «من إنتاج المعايير إلى صناعة المواقف ودور هياكل الاتحاد في المنظمات النقابية الدولية»، في سياق عالمي يتّسم بتصاعد الاعتداءات على الحقّ النقابي، وتآكل آليات الحوار الاجتماعي، وتزايد منسوب التوتّر بين المعايير الدولية وممارسات الحكومات على أرض الواقع.
وقد تولّى نصر الدين الساسي تنشيط الجلسة، مذكّرًا في مستهلّها بأنّ النقاش لا يتعلّق فقط بإنتاج المعايير داخل المنظمات الدولية، بل أساسًا بقدرة الحركة النقابية على تحويل هذه المعايير إلى مواقف ضاغطة وسياسات ملموسة، في ظلّ اختلالات كبرى تعرفها منظومة الامتثال والتنفيذ.

الحقّ النقابي بين المعايير والانتهاكات
في مداخلته، شدّد حليم حمزاوي، المدير الإقليمي لـمنظمة العمل الدولية، على أنّ الحقّ النقابي يُعدّ ركنًا تأسيسيًا من مبادئ العمل الدولية، وقد التزمت به الدول الأعضاء منذ اعتماد إعلان المبادئ والحقوق الأساسية في العمل سنة 1998.
وأوضح أنّ المنظمة طوّرت منظومة رقابية متكاملة عبر لجنة الحرية النقابية ولجنة الخبراء المستقلّين لتطبيق المعايير، باعتبارهما آليتين مستقلّتين عن التجاذبات السياسية.
وبيّن الحمزاوي أنّ الاتفاقيات الأساسية المتعلّقة بالحقّ النقابي يبلغ عددها 33 اتفاقية، ويقع النظر في خروقاتها عبر مسار يبدأ بدراسة حالات الانتهاك داخل اللجان المختصّة، ثم إصدار توصيات موجّهة إلى الحكومات، سواء على مستوى التشريع أو الممارسة.
وذكّر بأنّ منظمة العمل الدولية ليست “منظمة قوانين”، بل منظمة معايير، تُقاس نجاعتها بمدى ترجمة النصوص إلى نتائج فعلية، لا بالاكتفاء بالشعارات القانونية.
وسجّل المتدخّل أنّ الحوار ظلّ دائمًا المبدأ الحاكم لتدخّلات المنظمة، غير أنّ تصلّب مواقف بعض الحكومات، ورفضها التعاون والدعم الفني، ومواصلتها الانتهاكات، دفع بالمنظمة إلى تفعيل الفصل 33 من دستورها، وهو أقصى إجراء عقابي متاح. وقد استُخدم هذا الفصل سابقًا في حالة بيلاروسيا، وهو مطروح اليوم بخصوص ميانمار، بعد أكثر من عشر سنوات من النقاشات غير المثمرة، وصلت إلى حدّ طرد الفرق الفنية للمنظمة.
وأكد الحمزاوي في هذا السياق استقلالية اللجان الأممية، مشدّدًا على أنّ قراراتها تُبنى على التحقيق في الشكايات المقدّمة من المنظمات النقابية والاتحادات العالمية والمنظمات غير الحكومية، بعيدًا عن منطق الاصطفافات السياسية.

حضور الاتحاد: من المتابعة إلى الفعل داخل اللجان :
من جهتها، قدّمت الأخت هادية العرفاوي مداخلة توضيحية حول مشاركة الاتحاد العام التونسي للشغل في آخر مؤتمر لمنظمة العمل الدولية، معتبرة أنّ هذا الحضور لم يكن شكليًا، بل جاء انطلاقًا من قناعة بضرورة التموقع داخل مراكز النقاش وصناعة القرار.
وأبرزت أنّ الاتحاد شارك في مختلف اللجان المحورية، من اقتصاد المنصّات، إلى الانتقال من الاقتصاد غير المنظّم إلى المنظّم، مرورًا بـلجنة تطبيق المعايير، إضافة إلى لجان أخرى ذات طابع استراتيجي. واعتبرت أنّ هذا التمشي يندرج ضمن رؤية واضحة: تحويل المشاركة الدولية إلى رافعة فعلية للدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وليس مجرّد تمثيل بروتوكولي.
فلسطين في منظمة العمل الدولية: معركة الموقف قبل التصويت :
وفي الجزء الأخير من الجلسة، فتح منشّط الحوار ملف حملة مناصرة عضوية فلسطين داخل منظمة العمل الدولية.
وقدّمت الأخت هادية العرفاوي عرضًا تفصيليًا لخلفيات هذه الحملة، التي انطلقت منذ قرار مجلس الإدارة في نوفمبر 2024 بعرض مسألة عضوية فلسطين كعضو مراقب.
وأوضحت أنّ الاتحاد العام التونسي للشغل قاد حملة تحسيسية واسعة داخل الشبكة النقابية الدولية، مستفيدًا من التركيبة الثلاثية للمنظمة (عمال – أعراف – حكومات)، عبر مخاطبة النقابات للتأثير بدورها على حكوماتها وأعرافها.
وأكدت أنّ موقف الاتحاد كان واضحًا منذ البداية: رفض الاكتفاء بعضوية مراقب، والمطالبة بعضوية كاملة الحقوق.
غير أنّ تعقيدات مجلس الإدارة، وميزان القوى داخله، حالت دون المرور إلى تصويت مفتوح على كلّ الخيارات، ليتمّ في النهاية اعتماد الصيغة التي قبل بها الجانب الفلسطيني بعد عمل “مناصر ونقاط ضغط” مكثّف.
وفي هذا الإطار، استعرضت العرفاوي مختلف الأشكال الرمزية للحملة، من الشارات والملصقات، إلى “الكرسي المكسور” أمام مقرّ الأمم المتحدة، وصولًا إلى تعبئة النقابات للتصويت لفائدة فلسطين.
جلسة تؤكّد انتقال الاتحاد من المتابعة إلى صناعة الموقف :
خلصت أشغال الجلسة الأولى إلى تأكيد فكرة مركزية: المعركة لم تعد فقط معركة معايير، بل معركة مواقف. فدور الهياكل النقابية، وفي مقدّمتها الاتحاد العام التونسي للشغل، لا ينحصر في الحضور داخل الفضاءات الدولية، بل في استثمار هذا الحضور لصياغة توازنات جديدة، والدفاع عن الحقوق، وربط النقابي بالسياسي، والوطني بالأممي، في عالم يتغيّر بوتيرة متسارعة.





